معركة التضخم المتجددة: لماذا أصبحت أدوات السياسة النقدية غير كافية؟

الفرق بين تضخم الطلب وتضخم العرض

التضخم الناتج عن الطلب يحدث عندما يتجاوز الطلب الكلي طاقة الاقتصاد الإنتاجية، مما يؤدي إلى منافسة الأسر والشركات على السلع والخدمات وارتفاع الأسعار. هذا النوع يستجيب بشكل جيد للسياسة النقدية التقليدية لأن رفع الفائدة يقلل الاقتراض والإنفاق والاستثمار. أسبابه تشمل النمو الاقتصادي السريع، توسع الإنفاق الحكومي، زيادة السيولة والإقراض، وتعزيز ثقة المستهلكين. عادة ما يرافقه ارتفاع في معدلات التشغيل والنمو الاقتصادي، وتكون فعالية البنوك المركزية فيه عالية جداً.

أما التضخم الناتج عن العرض فيظهر عندما ترتفع تكاليف الإنتاج أو تنخفض القدرة الإنتاجية بسبب صدمات خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، اختناقات سلاسل التوريد، الحروب أو الكوارث الطبيعية. في هذه الحالة ترتفع الأسعار حتى لو كان الطلب ضعيفاً نسبياً، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة. أسبابه تشمل صدمات أسعار الطاقة والنفط، النزاعات الجيوسياسية، اضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار المواد الخام. تأثيره على النمو يكون ارتفاع الأسعار مصحوباً بتباطؤ أو انكماش النشاط الاقتصادي، وهو ما يُعرف بالركود التضخمي. فعالية البنوك المركزية فيه محدودة لأن رفع الفائدة لا ينتج نفطاً ولا يحل مشكلات الشحن البحري، بل قد يزيد أعباء تمويل الشركات.

كانت موجة التضخم العالمية بعد جائحة كورونا مثالاً واضحاً على تفاعل النوعين، إذ أدى الدعم المالي والنقدي الضخم إلى تعزيز الطلب، بينما ساهمت أزمة أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط وما رافقها من اضطرابات في الشحن ونقص في العمالة وارتفاع لأسعار الطاقة في تقييد العرض.

تقييم المؤسسات الدولية للتضخم العالمي

وفقاً لأحدث تحديثات صندوق النقد الدولي، بدأ مسار تراجع التضخم العالمي في 2024 ثم تباطأ خلال 2026، مع توقع وصول التضخم العالمي إلى 4.7 بالمئة هذا العام قبل أن يتراجع مرة أخرى في 2027. يربط الصندوق هذا التطور بارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية وتزايد مخاطر سلاسل التوريد.

كما حذر البنك الدولي من أن صدمات الطاقة الأخيرة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مشيراً إلى أن مزيج التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الأبطأ يفرض تحديات معقدة على صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

من جانبها، أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة والسلع الأساسية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة بسرعة، ما يعني أن السياسة النقدية ستبقى مقيدة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع.

التحديات التي تواجه السياسة النقدية

هل كانت البنوك المركزية على الطريق الصحيح؟ الجواب المختصر هو نعم جزئياً، إذ تواجه البنوك الكبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا معضلة استثنائية؛ الموجة التضخمية الراهنة مزيج من الجانبين، فقد نجحت هذه المؤسسات في كبح جزء كبير من التضخم المرتبط بالطلب عبر رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة، مما ساعد في منع تحول الصدمة التضخمية إلى دوامة مستمرة من ارتفاع الأجور والأسعار.

لكن المشكلة تكمن في أن السياسة النقدية لا تستطيع إنتاج مزيد من النفط أو إصلاح سلاسل الإمداد أو إنهاء النزاعات الجيوسياسية. لذا فإن رفع الفائدة يحد من الطلب لكنه لا يعالج جذور الصدمات التي تضرب جانب العرض.

يشير بحث حديث صادر عن صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك المركزية تواجه معضلة حقيقية عند التعامل مع صدمات العرض: هل تتجاهل الأثر المؤقت لهذه الصدمات أم تشدد السياسة النقدية لمنع انفلات توقعات التضخم؟ ويحذر التقرير من أن التأخر في اتخاذ القرار قد يكون مكلفاً للغاية.

لماذا قد تكون المشكلة أكبر من أسعار الفائدة؟ يرى خبراء في بنك التسويات الدولية أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها ضغوط العرض مقارنة بالعقود السابقة، بفعل عدة عوامل: تراجع العولمة وارتفاع القيود التجارية؛ التوترات الجيوسياسية وإعادة رسم سلاسل التوريد؛ التحول إلى الطاقة النظيفة وما يرافقه من استثمارات ضخمة؛ الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في بعض الاقتصادات؛ والتأثيرات المناخية على الغذاء والطاقة. هذه العوامل قد تجعل التضخم أكثر تقلباً وأكثر مقاومة للسياسات النقدية التقليدية مقارنة بما كان عليه خلال العقدين السابقين.

الخلاصة: رغم أن البنوك المركزية حققت تقدماً ملموساً في احتواء التضخم الناجم عن الطلب، فإن المعركة لم تُحسم بعد. فالتضخم الحالي يحمل مكونات هيكلية مرتبطة بالتجارة والجغرافيا السياسية والطاقة وسلاسل الإمداد، وهي عوامل لا يمكن لأسعار الفائدة وحدها معالجتها. لذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت البنوك المركزية تتخذ الإجراءات الصحيحة، بل ما إذا كانت أدواتها التقليدية كافية للتعامل مع اقتصاد عالمي أصبحت فيه صدمات العرض أكثر تكراراً وتأثيراً.

وتشير أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن السيطرة المستدامة على التضخم ستتطلب مزيجاً من السياسة النقدية والانضباط المالي والاستثمارات التي تعزز مرونة الاقتصاد وسلاسل التوريد، وليس الاعتماد على الفائدة وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *