لبنان يظل في مرمى الصراع المتصاعد بين القوى الإقليمية

08/06/2026 11:00

تظهر الصعوبة في تقدير جدية ما يُعرف بـ«اتفاق واشنطن» المتعلق بالوضع اللبناني، ليس فقط لعدم توازنه، بل لأن نصه يسلّط الضوء على الأهداف المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل، دون أن يضع في الاعتبار مطالب الوفد اللبناني ولا يتطرق إلى أحدها. من أبرز تلك المطالب طلب الانسحاب القانوني للقوات الاحتلالية، إلى جانب سحب مقاتلي «حزب إيران» و«الحرس الثوري الإيراني».

ردود الفعل اللبنانية على الاتفاق

استقبل الرئيس جوزف عون العبارة «وقف تام لإطلاق النار» باعتبارها «الفرصة الأخيرة» لتحقيق تهدئة دائمة. أما رئيس الحكومة نواف سلام فركز على ما يتعلق بالجيش اللبناني، مشيراً إلى أن الوحدة المسلحة ستبدأ بعمليات انتشار تجريبية في جنوب البلاد كخطوة أولى لاستعادة سلطة الدولة، مؤكداً أن هذا لا يخل بحق لبنان في المطالبة بانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من أراضيه.

بهذا الشكل، حققت الحكومة اللبنانية ما يمكن وصفه بالإنجاز في هذه المرحلة، حيث لم تستسلم للأوهام أو تخلّط بين موازين القوى وفق أطر أيديولوجية. إلا أن ما تلا ذلك كان أن إسرائيل اعتبرت «الاتفاق» مجرد ورق لا يحمل وزنًا عمليًا.

تأثير عدم التوازن ودعوة إيران للتدخل

ظهر الانحياز المتعمد في نص «الاتفاق» كإشارة واضحة إلى إيران لتدخلها، دون أي تحفظ أو دبلوماسية. قبل أن يعلن «حزبها» أو أمينه العام موقفهما، صرّح قائد «فيلق القدس» بأنه يطالب بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وإعادتها إلى المواقع التي كانت تحتلها قبل اندلاع الصراع.

لم تكتف طهران بتأكيد تمسكها بـ«ورقة لبنان» في المفاوضات، بل أعربت بجرأة عن تجاهل وجود «لبنان‑الدولة»، داعية إلى الاعتماد على أوهام «مسار إسلام أباد» نظراً لاستحالة تنفيذ التزامات «مسار واشنطن». من جانبه، أوضح إسماعيل قاآني أن أي وقف للعداوة يجب أن يتم عبر حوار مباشر بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بوساطة أمريكية، وليس من خلال مسارات منفصلة.

العواقب العملية لتعطيل الاتفاق

ألّف التعطيل الإيراني لآلية «اتفاق واشنطن» مبررات لبقاء «الحزب» و«الحرس» في مسار الصراع، ما أدى إلى استمرار المجازر والاحتلالات الإسرائيلية. ولم يُبدِ الطرفان الأمريكي والإسرائيلي أي تعليق، ربما لأن النص جاء كذريعة لتبرير تصعيد محتمل.

وبهذا، يجد لبنان نفسه عالقًا بين مفاوضات قد لا تتجاوز مرحلة الكلام، أو بين صراعات مستمرة على أرضه. لو كان نص «الاتفاق» أكثر تركيزًا وحساسيةً لمعاناة الشعب اللبناني واحترامًا لمصالح الدولة، لكان من الممكن تجنّب الرفض الواسع.

موقف إيران وإمكانية التوصل إلى حل

تلقت طهران ما وصفته إسرائيل بـ«إعلان المبادئ» كتحدٍ لا يترك لها مساحة للمناورة. وسرع وزير الدفاع الإسرائيلي إلى استنتاج أن النص يتيح لتلويحاته قصف العاصمة بيروت، ما أضعف فكرة «الضاحية مقابل شمال إسرائيل». كما أن شرط وقف إطلاق النار «المشروط بإبعاد عناصر حزب الله أولاً من كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح» كان كافيًا لرفض إيران للاتفاق.

إيران لا تملك صلاحية التفاوض نيابة عن لبنان‑الدولة، ولا ترغب في التفاوض مع إسرائيل، في حين أن أي توقف للقتال في لبنان يتطلب موافقة إسرائيل، كما تحتاج إلى إجازة الولايات المتحدة التي تلعب دورًا في تفريق العلاقات بين إيران ولبنان وتمنح إسرائيل «حق الدفاع عن النفس»، ما يعقّد أي اتفاق. لا يمكن كسر هذه الحلقة إلا عبر مساومة بين واشنطن وطهران تشمل تسوية عسكرية مقابل مكاسب سياسية للحزب.

مع ذلك، لا يبدو أن مثل هذه المفاوضات ستتحقق قريبًا، إذ لا يُفتح ملفها إلا بعد حل القضايا العالقة بين الطرفين، مثل البرنامج النووي، قضية مضيق هرمز، الأرصدة المجمدة والعقوبات. وفي هذه الأثناء، تستمر اللعبة بين الضربات الأمريكية على مواقع إيرانية، والضربات الإيرانية على دول الخليج، والضربات الإسرائيلية على أراضي لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *