في أحد أزقة القاهرة التاريخية، وخلف الجامع الأزهر، يقف بيت زينب خاتون شاهداً على روعة العمارة المملوكية والعثمانية. هذا البيت العتيق لا يحتفظ فقط بتفاصيل معمارية آسرة، بل يخفي أيضاً قصة اكتشاف كنز أثري نادر يضم 3611 عملة ذهبية تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
تاريخ الإنشاء والتجديد
يعود تاريخ إنشاء البيت إلى العصر المملوكي (1250-1517م)، ثم جرى تجديده على يد الأمير مثقال السودوني الظاهري، تلاه السلطان قايتباي. وفي العصر العثماني، وتحديداً عام 1780، سكنت البيت سيدة تدعى زينب خاتون، فعُرف البيت باسمها. كانت زينب خاتون في الأصل جارية لمحمد بك المغري، ثم تحررت وتزوجت من الأمير حمزة الخربوطلي، وأصبحت أميرة تُلقب بـ”خاتون”، وهي كلمة فارسية تعني المرأة الشريفة الجليلة، وفقاً للبطاقة التعريفية التي أعدتها وزارة السياحة والآثار المصرية.
ويجمع البيت بين مميزات الطرازين المعماري والفني في العصرين المملوكي والعثماني، ويعده الخبراء من الأمثلة الفريدة للعمارات السكنية في القاهرة. وتعكس جدرانه روائع الفنون الإسلامية المتمثلة في الأعمال الرخامية والجصية المعشقة بالزجاج الملون، والمشربيات، والشبابيك، والأسقف الخشبية المزينة بالزخارف النباتية والهندسية بالتذهيب والتلوين.
في أوائل القرن العشرين، قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم المنزل، ثم آلت ملكيته إلى وزارة الأوقاف المصرية عام 1942. وفي عام 1989، قامت هيئة الآثار المصرية بترميم البيت مرة أخرى، وأثناء العمل عُثر على كنز داخل قُدْرين من الفخار تحت عتبة إحدى الحجرات.
كنز زينب خاتون الذهبي
بلغ عدد القطع المكتشفة 3611 عملة ذهبية ترجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي، من بينها 2000 عملة سُكّت في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال والمجر. وقد حُفظت هذه العملات الذهبية وتُعرض حالياً في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وتُعرف باسم “كنز زينب خاتون”، وفقاً للبطاقة التعريفية.
ويذكر موقع شركة المقاولون العرب في مصر أن بيت زينب خاتون كان ضمن مشاريعها المنتهية عام 2024، وأن من بين أعمالها تنفيذ قبة بارتفاع حوالي 14 متراً فوق منسوب سطح المنزل الحالي، الذي يحتوي على ممر بانورامي يطل على القاهرة التاريخية.
بيت فريد بخصائص معمارية متكاملة
أكد كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر على الأهمية الكبرى لمنزل زينب خاتون والبيوت الأثرية المجاورة في منطقة الأزهر والجمالية، التي تعكس تطور العمارة المملوكية والعثمانية. وأوضح شاكر، في حديث مع الأناضول، أن البيوت التاريخية في مصر مثل بيت زينب خاتون تتميز بخصائص معمارية فريدة ومتكاملة تشمل المداخل المنكسرة، والصحون الداخلية (قلب البيت)، والنافورة، والحدائق الصغيرة، وقاعات الحرملك والسلاملك، والمشربيات.
وشدد شاكر على أهمية تسويق الآثار الإسلامية كمنتج سياحي مستقل يخاطب الأسواق المستهدفة بدقة، لا سيما أسواق جنوب شرق آسيا ودول وسط آسيا. ودعا إلى إقامة فعاليات ثقافية فنية تتوافق مع روح هذه الأماكن، وتشجيع شركات الإنتاج السينمائي والمخرجين المحليين والعالميين على استخدام البيوت الإسلامية التاريخية كمواقع للتصوير الدرامي.
أسرار التصميم الداخلي وفلسفة العمارة
من جهته، قدم المعماري المصري والباحث في تاريخ العمارة المهندس أشرف رشاد دراسة معمارية نشرها على موقعه الإلكتروني مطلع العام الجاري (2026)، تناول فيها قراءة متعمقة في منزل زينب خاتون وأسرار عمارته السكنية العثمانية. بحسب الدراسة، يُعد منزل زينب خاتون واحداً من أبرز نماذج العمارة السكنية التاريخية في القاهرة الإسلامية، ليس فقط لقيمته الأثرية بل لما يحمله من حلول معمارية متقدمة تعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين الإنسان والمكان والمناخ والمجتمع.
وتوضح الدراسة أن البيت يضم أسراراً تصميمية تتجاوز الشكل الجمالي إلى منظومة معيشية متكاملة تجسد فلسفة العمارة الإسلامية في أبهى صورها، حيث تتداخل الخصوصية مع الانفتاح، والوظيفة مع الجمال، والدين مع الحياة اليومية. ويقع المنزل في قلب القاهرة التاريخية بالقرب من الأزهر الشريف، ضمن نسيج عمراني كثيف يتميز بالأزقة الضيقة والمباني المتلاصقة، وهو موقع لم يكن عشوائياً بل فرض على المعمار حلولاً ذكية للتعامل مع محدودية الفراغ والضوضاء والحركة المستمرة.
ويركز التخطيط الداخلي على فكرة البيت المنطوي حول فناء داخلي، وهو عنصر جوهري في العمارة السكنية الإسلامية، حيث يؤدي هذا الفناء وظيفة إنشائية ويمثل القلب الاجتماعي والبيئي للمنزل. ومن أبرز الأسرار تصميم المدخل وفق نظام المدخل المنكسر، الذي يحجب عن الشخص الداخل رؤية من في البيت مباشرة، مما يعكس فلسفة العمارة الإسلامية القائمة على حماية الخصوصية واحترام الحياة الأسرية.
في المسقط الأفقي للدور الأرضي، يتواجد صحن البيت (الفناء الداخلي الواسع) الذي تحيط به أركان البيت الأربعة، ليشكل أحد أهم أسرار المنزل. لم يكن الصحن مجرد مساحة مفتوحة، بل عمل كمركز بيئي واجتماعي يحقق الخصوصية البصرية التامة عن الخارج ويسمح بتوزيع الإضاءة والتهوية الطبيعية إلى جميع الحجرات. وتشرف على الفناء المشربيات المصنوعة من خشب الخرط الجميل، ويتشابه تخطيط المسقط الأفقي للدورين الأول والثاني مع بيوت تاريخية أخرى في القاهرة مثل بيت الهراوي (1486م) وبيت السحيمي (1648م)، ما يؤكد أن الصحن كان عنصراً معمارياً أساسياً في العصرين المملوكي والعثماني.
وتجسد المساحات الداخلية أحد الأسرار من خلال التخطيط القائم على التسلسل الهرمي للفراغات، حيث تنتقل الحركة من العام إلى الخاص بمرونة وانضباط، ويظهر هذا بوضوح في الفصل الدقيق بين السلاملك (لاستقبال الضيوف) والحرملك (لحياة الأسرة). ومن أهم الأسرار المعمارية أيضاً التعامل الذكي مع المناخ الحار للقاهرة عبر حلول بيئية مستدامة: المشربيات التي تسمح بمرور الهواء وتكسر حدة أشعة الشمس، والأسقف المرتفعة التي تساعد على تجميع الهواء الساخن بعيداً عن مستوى الاستخدام، وتوجيه الفتحات بما يضمن التهوية المتقاطعة، واستخدام المواد المحلية مثل الحجر والخشب.
أما على صعيد القيم الجمالية والزخرفية، فيعتمد المنزل لغة جمالية هادئة تشمل الزخارف الخشبية الدقيقة والتكوينات الهندسية المتوازنة. وتخلص الدراسة إلى أن منزل زينب خاتون يكشف أن العمارة الإسلامية السكنية لم تكن مجرد استجابة وظيفية لاحتياجات الإنسان، بل كانت نتاج رؤية شمولية جمعت بين المناخ والثقافة والاجتماع والجمال، وأن هذا المنزل يظل شاهداً حياً على قدرة العمارة التقليدية على تقديم حلول معمارية إنسانية ومستدامة.






