في متحف بايزيد الثاني لثقافة الحمام التركي بإسطنبول، تعرض عشرات القطع التراثية والأثرية جانباً من عادات الاستحمام والحياة الاجتماعية في العصر العثماني، من أوعية نحاسية وقباقيب خشبية ومناشف تقليدية.
يشغل المتحف مبنى حمام بايزيد الثاني العثماني الذي يعود تأسيسه إلى مطلع القرن السادس عشر، وقد افتُتح رسمياً في عام 2015 بهدف الحفاظ على هذا الإرث وتعريف الأجيال الجديدة به.
من حمام إلى متحف: رحلة تاريخية
يقع المبنى في منطقة الفاتح ضمن المجمع التاريخي لبايزيد الثاني المدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي ضمن “المناطق التاريخية في إسطنبول”. وتشير الوثائق العثمانية إلى أن الحمام شُيّد بين عامي 1507 و1508 برعاية كلبهار خاتون زوجة السلطان بايزيد الثاني، ليضم قسمين منفصلين للرجال والنساء. وعُرف في السجلات باسم “الحمام الجديد” ثم اشتهر لاحقاً باسم “الحمام الكبير” نظراً لمساحته التي تبلغ نحو ألفي متر مربع.
تعرض المبنى لأضرار جراء حريق كبير اندلع في المنطقة عام 1715 ثم رُمّم واستمر في أداء وظيفته حماماً عاماً حتى عام 1930. وبعد ذلك انتقلت ملكيته إلى أشخاص من القطاع الخاص وظل مهملاً لفترة طويلة، وخلال تلك المرحلة استُخدمت غرف تبديل الملابس داخل الحمام ورشاً للحدادة ومستودعات للجلود ما ألحق أضراراً إضافية بالمبنى التاريخي. وفي عام 2000 انتقلت ملكية الحمام إلى جامعة إسطنبول وخضع لأعمال صيانة وترميم وتنظيم لمحيطه، ثم تقرر في عام 2013 تحويله إلى متحف قبل افتتاحه رسمياً في 26 مايو 2015.
مقتنيات أثرية وتراثية تعود لقرون مضت
تقول يازغول طوران مديرة المتحف للأناضول إن المتحف استقبل أكثر من 106 آلاف زائر منذ افتتاحه ويقدم خدماته مجاناً للجمهور. وأضافت أن مجموعته الدائمة تضم 234 قطعة مسجلة في جرد المتحف تشمل أدوات تقليدية ومنسوجات وقطعاً تراثية يعود معظمها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى جانب قطع أثرية أقدم.
وتضم المعروضات أوعية نحاسية ومعدنية للمياه وأباريق وأدوات للاستحمام ومناشف وأقمشة تقليدية تُلف حول الجسم إلى جانب قباقيب خشبية تُعرف باسم “النعلين” كانت تُستخدم داخل الحمامات وبعضها مزخرف بالفضة والخرز. وتبرز أيضاً أوعية خاصة ارتبطت بممارسات الاستحمام والعناية بالجسم ومباخر وأمشاط مصنوعة من قرون الحيوانات والعاج فضلاً عن الصابون المصنوع من زيت الزيتون ومواد طبيعية لتنظيف الشعر والجسم مثل الطين الذي أوضحت طوران أنه كان يؤدي وظيفة شبيهة بوظيفة الشامبو في الوقت الحاضر.
ولفتت طوران إلى أن بعض القطع المعروضة تتميز بزخارف دقيقة بينها أحجار كانت تُستخدم داخل الحمام نُقشت أسطحها بزخارف تشبه التطريز. وأشارت إلى أن مقتنيات المتحف لا تعود فقط إلى العصر العثماني بل تشمل عناصر معمارية أثرية تعود للعصر الروماني في القرن الثالث الميلادي عُثر عليها داخل الحمام أو في محيطه من بينها قطع حجرية أُعيد استخدامها في أساسات المبنى إضافة إلى قطعة من قوس نصر روماني تُعرض قرب مدخل الزوار.
الحمام كمساحة للتواصل الاجتماعي وتراث متصل بالأجيال
وسلطت طوران الضوء على مكانة الحمام في ذلك العصر قائلة إنه لم يكن مجرد مكان للاستحمام بل شكل مساحة مهمة للتواصل الاجتماعي خاصة بين النساء كما أسهم في الحياة اليومية للمجتمع العثماني.
ولتعريف الأجيال الجديدة بهذا الإرث ينظم المتحف أنشطة ومعارض وورش عمل ويتعاون مع المدارس الابتدائية والإعدادية لتعريف الطلاب بتاريخ الحمام والعمارة العثمانية وفقاً لطوران. وأوضحت أن الطلاب يرسمون ما يشاهدونه خلال الزيارات ثم تُعرض أعمالهم في المتحف في نهاية العام. وأشارت إلى أن المتحف يستقبل طلاباً من مناطق مختلفة في المدينة حيث يتم تعريفهم على ثقافة الحمام التركي في إطار مشروع “مدارس صحية من أجل مستقبل صحي” الذي أُطلق عام 2019 بالتعاون بين ولاية إسطنبول ومديرية التعليم الوطني في المدينة وجامعة إسطنبول.
وختمت طوران حديثها قائلة: “بينما يحتفظ المبنى بملامح العمارة العثمانية التقليدية، تسعى إدارة المتحف إلى إبقاء ثقافة الحمام حاضرة في الذاكرة العامة من خلال أدواتها وعاداتها وتفاصيلها اليومية التي توثق جانباً من تاريخ الحياة الاجتماعية في إسطنبول”.






