تمثل التجارة البحرية أحد أعمدة العلاقة الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، فالبلدان يقعان على ممرات ملاحية تعد من الأهم في العالم، ويملكان موانئ تصنف بين الأكبر في المنطقة. ويطل ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر، فيما تتوزع الموانئ الإماراتية الرئيسية على ساحل الخليج العربي، وهو ما يجعل كل منهما بوابة إلى نطاق جغرافي مختلف.
ويتابع المستوردون والمصدرون ورجال الأعمال في جدة تطورات هذا القطاع عن كثب، ولا سيما ما يتصل بالرسوم والخطوط الملاحية الجديدة ومشروعات التوسعة. ومن أبرز النوافذ التي ترصد هذه التحولات من الجانب الإماراتي منصات اخبار الامارات اليوم التي تتناول أخبار الموانئ والشحن والتجارة الخارجية.
ميناء جدة الإسلامي: بوابة البحر الأحمر
يعد ميناء جدة الإسلامي من أكبر موانئ المملكة وأقدمها نشاطا، ويستقبل حصة كبيرة من واردات البلاد من السلع الاستهلاكية والغذائية ومواد البناء. ويستفيد من موقعه في منتصف الطريق الملاحي بين قناة السويس ومضيق باب المندب، ما يجعله نقطة توقف طبيعية لخطوط الشحن بين آسيا وأوروبا.
وتشرف على الميناء الهيئة العامة للموانئ (موانئ)، التي تعمل ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 على تحويل المملكة إلى منصة لوجستية عالمية. وشهد الميناء خلال السنوات الأخيرة تحديثا لمحطات الحاويات وإسناد تشغيل بعضها إلى مشغلين دوليين، إلى جانب تطوير الإجراءات الجمركية والرقمنة. ومن اللافت أن موانئ دبي العالمية نفسها تشغل محطة الحاويات الجنوبية في ميناء جدة الإسلامي بموجب عقد امتياز طويل الأمد، في مثال عملي على تشابك الاستثمارات اللوجستية بين البلدين.
اقرأ أيضا: الشراكة الاقتصادية السعودية الإماراتية: إطار مؤسسي وآفاق ممتدة
وعلى بعد مسافة قصيرة شمال جدة، يعمل ميناء الملك عبدالله في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية برابغ، وهو ميناء يديره القطاع الخاص، ويضيف طاقة استيعابية إلى الساحل الغربي للمملكة. وتندرج هذه المشروعات ضمن الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية التي تسعى إلى رفع كفاءة الموانئ وربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية.
جبل علي وخليفة: ثقل الموانئ الإماراتية
في دبي، يعد ميناء جبل علي الذي افتتح عام 1979 أكبر موانئ المنطقة وأحد أكبر موانئ الحاويات في العالم، وتديره موانئ دبي العالمية. ويرتبط الميناء بالمنطقة الحرة لجبل علي التي تضم آلاف الشركات، وهو ما رسخ دوره مركزا لإعادة التصدير إلى دول الخليج والعراق وإيران وشرق أفريقيا وجنوب آسيا. وتستخدم شركات عالمية كثيرة مستودعاتها في جبل علي لتوزيع منتجاتها على أسواق المنطقة، ومنها السوق السعودية التي تعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في الخليج.
أما في أبوظبي، فيشكل ميناء خليفة الذي بدأ تشغيله عام 2012 ركيزة مجموعة موانئ أبوظبي، ويتصل بمنطقة خليفة الاقتصادية (كيزاد) التي تستقطب صناعات ومستودعات وشركات لوجستية. ويتميز الميناء بقدرته على استقبال السفن الكبيرة، وبتكامله مع خطط أبوظبي لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط.
مساران بحريان وطريق بري
تفرض الجغرافيا على التجارة البحرية بين البلدين مسارا طويلا نسبيا، فالبضائع المتجهة من جدة إلى الموانئ الإماراتية تبحر جنوبا عبر باب المندب ثم تلتف حول شبه الجزيرة العربية عبر بحر العرب وخليج عمان وصولا إلى مضيق هرمز. لذلك يعتمد التبادل بين البلدين أيضا على النقل البري عبر المنافذ الحدودية، خاصة للسلع التي تتطلب سرعة في التسليم.
وفي المقابل، تتيح موانئ المنطقة الشرقية في المملكة، مثل ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، اتصالا أقصر بكثير مع الموانئ الإماراتية عبر الخليج. وبذلك تتوزع الأدوار: جدة للتجارة القادمة من الغرب والبحر الأحمر، والدمام والموانئ الإماراتية لحركة الخليج والمحيط الهندي.
اقرأ أيضا: جامعة الدول العربية: النشأة والميثاق وآلية عمل القمم
تكامل أكثر من منافسة
يرى متابعون أن العلاقة بين موانئ البلدين تجمع بين التنافس والتكامل؛ فكل دولة تسعى إلى جذب خطوط الشحن والاستثمارات اللوجستية، لكن نمو التجارة الإقليمية يوسع الكعكة للجميع. ويبرز في هذا الإطار التعاون ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي، والعمل على تبسيط الإجراءات الجمركية وتسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء، وهي ملفات يمكن متابعة إطارها العام عبر موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون.
وتكتسب هذه الحركة أهمية إضافية من زاوية الأمن الغذائي، إذ تعتمد دول المنطقة بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، ما يجعل كفاءة الموانئ وسرعة التخليص وتنوع المسارات عوامل مباشرة في استقرار الأسواق وتوافر السلع وأسعارها.
ومن العوامل التي تؤثر في هذا القطاع:
- أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز وانعكاسه على تكاليف التأمين والشحن.
- الاستثمار في الرقمنة والنوافذ الجمركية الموحدة لتقليص زمن التخليص.
- ربط الموانئ بشبكات السكك الحديدية والطرق والمناطق الاقتصادية.
- قدرة الموانئ على استقبال السفن العملاقة وتوفير خدمات المسافنة.
ويتابع المهتمون بالشأن الاقتصادي في العاصمة الإماراتية مشروعات مجموعة موانئ أبوظبي وتوسعاتها الخارجية عبر منصات اخبار ابوظبي اليوم، فيما تصدر البيانات الرسمية السعودية عن قطاع الموانئ عبر وكالة الأنباء السعودية.
وفي ظل الطموحات اللوجستية الكبيرة لدى البلدين، يبدو أن البحر سيظل شريانا رئيسيا للتجارة بينهما، مع تزايد أهمية الربط متعدد الوسائط الذي يجمع السفن والشاحنات والقطارات في سلسلة إمداد واحدة. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى شبكة قطارات الاتحاد للشحن في الإمارات، وإلى مشروع السكك الحديدية الخليجية الذي يطمح إلى ربط دول المجلس، بما قد يغير مستقبلا الطريقة التي تنتقل بها البضائع من موانئ البحر الأحمر إلى موانئ الخليج.






