قبل أيام، جمعني مجلس بأصدقاء، معظمهم يشغلون مناصب إدارية، فأشعل سؤال بسيط نقاشاً طويلاً: هل يُعدّ العمل من المنزل خياراً موفقاً أم مصدراً للمشاكل؟
رأى أحد الحاضرين أنه تحول إلى باب من التساهل، حتى إن بعض الموظفين يتعاملون مع أيامه على أنها إجازة مموهة. غير أن آخر اعترض متسائلاً: ماذا عن موظف كان يقضي ساعتين يومياً في الازدحام، فاستعاد هذا الوقت لحياته الأسرية ومهامه، ووفّر مصاريف التنقل وخفف وطأة التوتر؟
عندها أدركت أن الموضوع ليس متعلقاً بمكان العمل فقط، بل بمعنى العمل نفسه.
من الاستثناء إلى واقع جديد في سوق العمل
قبل جائحة كورونا، كان العمل من المنزل يعد استثناء نادراً. أما اليوم، فتشير الأرقام إلى أن نحو ربع أيام العمل في الولايات المتحدة تنجز خارج المكاتب، وفق ما ورد في إحدى الحلقات الصوتية لصحيفة «وول ستريت جورنال». ومع ذلك، لا تزال الشركات تتأرجح بين العودة الكاملة إلى المكاتب والنمط الهجين، إذ يمسّ القرار الثقافة المؤسسية، والإبداع، وسبل بناء الكفاءات.
ومن أبرز المعارضين لهذا النمط جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لمصرف JPMorgan Chase. فهو يرى أن الموظفين يخسرون لحظات الصدف التي يجري فيها تبادل الأخبار بين الزملاء، ويتعلم فيها الأصغر من الأكبر. فالثقافة، في نظر كثير من المديرين، لا تُبنى عبر الشاشات وحدها، والخبرة لا تنتقل بالضرورة في اجتماع مقرر مسبقاً.
يومان من المرونة… وقائمة أعذار تتجدد
وفي خضم الجدل، روى صديق يعمل في الإدارة تجربته، إذ قرر منح موظفيه يومين كل أسبوع للعمل من المنزل، متوقعاً أن ترتفع الحماسة وتتحسن المخرجات. لكنه فوجئ بعد أسابيع بأن بعضهم لا يبدأ العمل إلا بعد الظهر، وتتراكم الأعذار: بطء الإنترنت، أو حضور عامل الصيانة، أو مرض الطفل. وضحك قائلاً: «إذا أنجزنا عشرين في المئة مما خططنا له فأنا محظوظ».
ومع ذلك، لا تمنح الدراسات النصر لأي طرف. ففي عام 2015، توصلت دراسة بارزة أعدها نيكولاس بلوم وفريقه إلى أن العمل من المنزل رفع إنتاجية موظفي شركة اتصالات صينية بنسبة 13 في المئة تقريباً، وقلّص معدل الاستقالات وعزز رضا العاملين. أما الأبحاث الأحدث في قطاع تقنية المعلومات، فترى أن النتائج رهينة بطبيعة الوظيفة، وكفاءة الإدارة، وجودة التنسيق، لا بمكان العمل وحده.
الإنتاجية ليست عنواناً… بل أسلوب إدارة
وحتى بين الموظفين، تنقسم الآراء. فبعضهم يحتاج إلى المكتب ليضع حداً بين حياته وعمله، وإلا ظل الحاسوب مفتوحاً في المنزل والإشعارات تتدفق بلا توقف. وآخرون يعثرون في المنزل على هدوء فقدوه وسط المقاطعات والاجتماعات المتتالية. ويبدو الجيل الأصغر، خصوصاً جيل «زد»، أكثر تمسكاً بالمرونة، لأنه نشأ في عالم لم يعد يعتبر المكتب الوجهة الوحيدة للإنتاج.
أما أنا، فأعتقد أن المعركة ليست بين المنزل والمكتب، بل بين إدارة جيدة وأخرى قاصرة. فالموظف المنضبط يحقق النتائج في أي مكان، بينما يجد غير المنضبط طرقاً لا تحصى للتهرب حتى لو كان يجلس مقابل مديره.
فالإنتاجية لا ترتبط بجدران المكتب، والثقة لا تُبنى بتسجيل الحضور. ما يصنع العمل الجيد هو هدف واضح، ونتائج قابلة للقياس، وثقافة تجمع بين الثقة والمساءلة.
وربما ينبغي أن يتغير السؤال من «أين يقضي الموظف يومه؟» إلى «ماذا أنجز في نهاية ذلك اليوم؟»





