ادعاء الفهم المطلق.. متى يدرك البعض أن «لا أعرف» أصدق؟

10/08/2026 03:01

تمر في الحياة شخصيات تُشبه موسوعات متنقلة؛ فهي تُلمّ بالسياسة، وتُحلّل الاقتصاد، وتُفتي في العلاقات، وتناقش الثقافة والسياحة والإدارة، وإذا فتحتَ معها باباً جديداً لم تتردد لحظة في أن تخبرك: «أنا أعرف».

الموسوعات المتنقلة.. وثقة الجهل

والأغرب من ذلك أنها لا تكتفي بمعرفتها المزعومة، بل تحاول إقناعك بأن فهمك ناقص، وأن تجربتك محدودة، بينما هي تملك الرأي الأول والأخير. إلى متى يستمر هذا الادعاء؟

ليس عيباً أن تقول: «لا أعرف»، بل ربما تكون هذه العبارة من أكثر ما يدل على وعي الإنسان وثقته بنفسه. فالمعرفة بحر واسع، وكلما ازدادت معرفة المرء أدرك حجم ما يجهله.

مدّعو المعرفة.. من أول الخيط إلى الحكاية المنسوجة

أما مدّعو المعرفة، فيكفي أن يمسكوا بأول الخيط، ثم ينسجوا حوله حكاية طويلة من المعلومات والآراء والتحليلات، ويتحدثون بثقة تجعل المستمع يظن أنهم أمضوا سنوات في دراسة الموضوع، بينما الحقيقة أنهم ربما سمعوا عنه قبل دقائق!

المشكلة ليست في قلة المعرفة؛ فجميعنا نجهل أشياء كثيرة، وإنما المشكلة في الثقة العالية المصاحبة للجهل، وفي تحويل المعلومة الناقصة إلى حقيقة، والرأي الشخصي إلى قاعدة، والتجربة المحدودة إلى خبرة يُراد فرضها على الجميع.

مسابقة «الأعرف».. عندما يتحول الحوار إلى تنافس

وهناك نوع آخر أكثر إزعاجاً؛ لا يريد أن يعرف فقط، بل يريد أن يكون الأعرف دائماً. إن تحدثتَ قال: «أعرف». وإن شرحتَ قال: «فاهم». وإن رويتَ تجربة عاشها غيره، أخبرك أنه يعرف تفاصيلها أكثر ممن عاشها!

وكأن الحوار معه ليس لتبادل المعرفة، بل مسابقة يجب أن يفوز فيها بلقب: «أنا أفهم أكثر منكم جميعاً».

دعوة للتواضع.. احترام التخصصات والتجارب

الحياة لا تحتاج منا أن نكون موسوعات، ولا أن نمتلك إجابة عن كل سؤال. تحتاج فقط إلى شيء من التواضع أمام المعرفة، واحترام تخصصات الآخرين وتجاربهم وعقولهم.

فليس كل من أمسك أول الخيط عرف الحكاية كاملة، وليس كل من تحدث بثقة أصبح خبيراً.

وأحياناً تكون كلمة «لا أعرف» أكثر علماً وصدقاً من حديث طويل نُسج بخيوط الادعاء.

أما من يصر على أنه يفهم كل شيء، فربما الشيء الوحيد الذي لم يفهمه بعد هو: أن الإنسان الذي يعرف فعلاً، يعرف جيداً كم بقي له مما لا يعرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *