لم يعد الإنسان في هذا العصر يعيش حياته بمنأى عن تدخلات المحيطين به. ففي كل خطوة يخطوها، وفي كل خيار يتخذه، يجد من يراقبه ويحلّل قراراته ويملي عليه النصائح، بل ويتصرف أحياناً وكأنه الأكثر قدرة على تحديد مصلحته.
يكفي أن تعلن عن قرار يخص مستقبلك حتى تسمع أسئلة مثل: لماذا؟ ولماذا الآن؟ وهل أنت واثق؟ ثم يظهر من يقول: لو كنت مكانك لاخترت كذا، وآخر يؤكد لك أن الندم في انتظارك، وثالث يعدد أخطاءك.
خبراء بلا مؤهلات ولا مواعيد
اللافت أن أغلب هؤلاء لم تطلب رأيهم من الأساس، ولا يعرفون عن حياتك سوى ما طالعوه في صورة أو منشور أو محادثة عابرة. وهكذا وُلد جيل جديد من «الخبراء»: مستشارون بلا مكاتب، بلا شهادات، بلا مواعيد مسبقة. يكفيهم أن يطّلعوا على قرارك حتى يبدأوا عملياتهم الاستشارية.
قل إنك تنوي الزواج، وسيخرج من يخبرك كيف تختار شريك حياتك. قل إنك لا ترغب في الزواج، وسيأتي من يستجوبك عن الأسباب. اترك وظيفتك، فيُقال لك إنك كنت متسرعاً. ابقَ فيها، فيُقال لك إنك تخشى التغيير. اشترِ منزلاً، فيخبرك أحدهم أنك دفعت أكثر من اللازم. لا تشترِ، فيأتي آخر ليشرح لك أنك لا تجيد الاستثمار.
حتى السفر لم يسلم من هؤلاء؛ فلكل وجهة سياحية خبير جاهز ليخبرك أنها ليست الخيار الأمثل. ولكل مشروع ناصح، ولكل قرار رأي، ولكل رأي رأي آخر. والأكثر طرافة أن هذه الاستشارات جميعها مجانية.
«هذا شأنه»: جملة تلاشت
في الماضي، كانت هناك عبارة جميلة: «هذا شأنه». كنت تسمع أن شخصاً اتخذ قراراً لا يروق لك، فتتمنى له التوفيق وتنتهي القصة. أما اليوم، فلم تعد هذه العبارة كافية. لا بد من استيضاح السبب، وتحليل القرار، واقتراح البدائل، ثم السؤال عن سبب عدم الأخذ بالنصيحة!
وسائل التواصل الاجتماعي زادت الطين بلة. صورة قد تفتح باباً طويلاً من التعليقات، ومنشور بسيط قد يتحول إلى جلسة تحليل نفسي. يكتب شخص جملة عن حياته، فيجد من يحلل شخصيته. يعلن عن قرار، فيجد من يشرح له لماذا هو مخطئ. يتحدث عن مشكلة، فيجد من يسارع بتقديم الحل قبل أن يكمل حديثه. وأحياناً تجد شخصاً لم يلتقِ بك في حياته، ولا يعرف عنك سوى ما كتبته في حسابك، ومع ذلك يحدثك عن مستقبلك بثقة من يعرفك منذ عشرين عاماً!
بين النصيحة والوصاية
المشكلة ليست في النصيحة بحد ذاتها، فالنصيحة الصادقة من شخص يحبك ويعرفك قد تكون ثمينة جداً. المشكلة تكمن حين تتحول النصيحة إلى وصاية، وحين يصبح رأي الآخر هو المعيار الذي يجب أن تلتزم به. هناك فرق بين أن تقول لصديقك: «أنا لو مكانك لاخترت كذا، لكن القرار لك»، وبين أن تقول: «أنت مخطئ، وعليك أن تفعل ما أقول». الأولى نصيحة، والثانية محاولة لإدارة حياة شخص آخر.
نحن في الحقيقة لا نعرف ظروف الناس كما نتصور. نرى من يبيع مشروعه، ولا نعرف كم خسر قبل أن يصل إلى قراره. نرى القرار، ولا نرى ما سبقه من معاناة. ومع ذلك نقول بسهولة: «لو كنت مكانه لفعلت كذا». لكن الحقيقة البسيطة أننا لسنا مكانه. لا نعرف ظروفه، ولا التزاماته، ولا مخاوفه، ولا التفاصيل التي احتفظ بها لنفسه.
قبل أن تنصح: هل طُلب منك ذلك؟
لعل المشكلة الأعمق أننا أصبحنا نعطي آراءنا بثقة أكبر من معرفتنا بالموضوع. نعرف جزءاً من القصة، ثم نتحدث عن بقيتها وكأننا كنا حاضرين في كل تفاصيلها. ربما نحتاج أن نسأل أنفسنا قبل أن ننصح: هل طلب مني هذا الشخص رأيي فعلاً؟ السؤال بسيط، لكنه قد يوفر علينا الكثير من التدخل. فليس كل قرار يحتاج تعليقاً، وليس كل اختلاف يحتاج تصحيحاً، وليس كل شخص يخالفنا بحاجة إلى إعادته إلى الطريق الذي نراه صحيحاً.
والأغرب أن انشغالنا الدائم بحياة الآخرين قد يكون أحياناً أسهل من الانشغال بحياتنا. من السهل أن نكتشف أخطاء الناس، لكن الأصعب أن نعترف بأخطائنا. من السهل أن نقول للآخرين ماذا يفعلون، لكن الأصعب أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا نحن؟
لذلك، حان الوقت لإغلاق مكتب الاستشارات المجاني قليلاً. إذا طلب منك شخص رأيك، أعطه إياه بصدق، ثم اترك له حرية الاختيار. وإذا لم يطلبه، فلا تجعل كل موقف فرصة لتقديم محاضرة. فليس كل صمت قلة اهتمام، وأحياناً يكون الصمت احتراماً. اتركوا للناس مساحة ليعيشوا كما يريدون، ويخطئوا، ويتعلموا، ويعيدوا ترتيب حياتهم بطريقتهم. أما نحن، فلدينا ما يكفينا من شؤوننا وقراراتنا وأخطائنا، وربما حان الوقت لأن نتفرغ لها قليلاً.





