ليس كل غنى نتيجة صدفة: نظرة عميقة لدور الحظ والجهد في النجاح

03/08/2026 01:01

الاعتقاد بالحظ كعامل وحيد

ترددت قبل الكتابة عن هذا الموضوع، لكن جلسة نقاش طويلة حول سؤال بسيط – كيف أصبح الأثرياء أثرياء – شجعتني على المشاركة. اتفق معظم الحاضرين على أن “الحظ” وحده هو السبب، مستشهدين بفائز يانصيب أو شاب ثري بعد استثمار في عملة رقمية. واعتبروا أن النجاح لا يقوم إلا على المصادفات والفرص العابرة.

الفرق بين النجاح المطلق والنسبي

اعترضت على هذا الطرح ليس لأن الحظ غير موجود، بل لأن اختزال النجاح فيه وحده ظلمٌ لمن بذل عمرًا في العمل والمخاطرة. هناك رجال أعمال سعوديون بدأوا من الصفر وعاشوا سنوات من القلق والخسارة قبل أن يبنوا إمبراطورياتهم. تجاهل هذه الرحلات البشرية والتعامل معها كـ”ضربة حظ” هو تبسيط مخل وكسل فكري. جيمس كلير، في مقاله “النجاح المطلق حظ… والنجاح النسبي عمل شاق”, يفرق بين نوعين من النجاح: النجاح المطلق – كتصبح من أغنياء العالم – قد يتداخل فيه التوقيت المناسب والبيئة والعلاقات والظروف التي وُلدت فيها. أما النجاح النسبي، أي الفارق بينك وبين من عاشوا ظروفًا مشابهة، فتحكمه العادات والانضباط والعمل المستمر. بمعنى آخر: قد لا تختار نقطة البداية، لكنك تختار الاتجاه الذي تسير فيه.

دور الجهد والاستعداد في المنظور الإسلامي

يضرب كلير مثالًا بالعالمة الصينية تو يويو التي قضت سنوات طويلة تبحث عن علاج للملاريا، تقرأ النصوص الطبية القديمة، وتفشل مرارًا حتى وصلت إلى اكتشاف مادة “الأرتيميسينين” التي أنقذت ملايين البشر. لم تكن قصة حظ سريع، بل قصة إنسان رفض الاستسلام رغم العوائق والتعب والخيبات الطويلة. لا يمكن إنكار أن بعض الناس يولدون بفرص أفضل؛ يتحدث جوليان ريتشر، في مقاله “هل تشعر أنك محظوظ؟ ولماذا يجعل الاعتراف بحظنا العالم أفضل”, بصراحة عن الامتيازات التي قد يولد بها الإنسان مثل التعليم الأفضل والاستقرار الاقتصادي والمجتمع الآمن. المشكلة ليست في الاعتراف بوجود الحظ، بل في تحويله إلى العامل الوحيد؛ هذا التفكير يصنع عقلية تؤمن أن الجهد بلا قيمة وأن كل ناجح مجرد شخص “ابتسم له الزمن” وتقتل روح المبادرة، وتجعل الإنسان ينتظر الفرصة بدل أن يصنع نفسه بنفسه.

خاتمة: الاستعداد هو المفتاح

الأكثر ترديدًا بأن النجاح مجرد حظ هم غالبًا الأقل محاولة؛ لا يقرأون، لا يجربون، لا يغامرون، ولا يتحملون ألم الفشل. يريدون نتائج استثنائية بحياة عادية جدًا، بينما التاريخ يكرر أن النجاح يولد غالبًا من التعب الطويل والصبر الذي لا يراه أحد. ولم يكن الإسلام يومًا دين انتظارٍ للحظ أو استسلامٍ للظروف، بل دين عملٍ وسعيٍ وأخذٍ بالأسباب. يكفي تأمل قول الله تعالى لمريم – عليها السلام: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا”، رغم أن هزّ جذع النخلة يفوق قدرتها في تلك اللحظة، لكن الرسالة واضحة: الرزق يأتي مع السعي. ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز\). لا أحد يستطيع التحكم في الظروف التي وُلد فيها، لكن الجميع يستطيع التحكم في مقدار الجهد الذي يبذله، وفي قدرته على الاستمرار حين يتوقف الآخرون. أختم بما قاله عمر زنهم في حلقته “هل الناجحون مجرد أشخاص محظوظين؟ وكم يؤثر الحظ في النجاح؟”: “الناجحون ليسوا الأكثر حظًا، بل الأكثر استعدادًا عندما تحين الفرصة المناسبة\).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *