الثقافة البصرية: ضرورة ملحة لتطوير التعليم في عصر الشاشات

03/08/2026 01:01

الهيمنة البصرية في الحياة اليومية

كل صباح يملأ الملايين من التلاميذ الفصول حاملين الدفاتر والكتب، ويخصصون سنوات لاكتساب مهارات القراءة والكتابة وفحص النصوص الأدبية. ومع ذلك، بمجرد خروجهم من الصف يجدون أنفسهم في بيئة يسيطر عليها العرض المرئي: شاشات، صور، فيديوهات، أفلام ورسائل بصرية سريعة. هذا التناقض يطرح سؤالاً ملحاً: لماذا يظل التركيز في التعليم على فك رموز الحروف بينما باتت الصورة هي السائد والمؤثر في زماننا؟

شهدت طرق التواصل بين البشر تحولاً غير مسبوق؛ إذ يحصل الفرد اليوم على حجم هائل من البيانات عبر هاتفه الذكي يفوق ما كان يحصل عليه في أسابيع أو أشهر سابقاً. نشاهد الأخبار قبل أن نقرأها، وتُصمم الإعلانات لتعتمد على الصورة أكثر من الكلمة، وتتنافس المنصات الرقمية على إنتاج محتوى بصري يجذب الانتباه في لحظات قليلة. رغم ذلك، ما زالت أغلب المناهج تعامل الصورة والفيلم كنشاطات ترفيهية وليس كمواد معرفية تستحق البحث والنقد.

الأفلام كنصوص معرفية

الحقيقة أن الأفلام لا تقتصر على كونها ترفيهاً؛ بل هي نصوص بصرية مكتملة. كما تحتوي الرواية على شخصيات، أحداث، رموز ومعانٍ، يحتوي الفيلم على لغة خاصة تُبنى من الإضاءة، اللون، الصوت، زوايا التصوير والحركة. قد تحمل كل لقطة معاني تعادل ما تجده في صفحات عديدة من النص المكتوب.

تحضير التعليم للمستقبل

تعليم الطلاب كيفية قراءة الأفلام والصور والمحتوى الرقمي لا يعني التخلي عن الأدب أو الكتاب؛ بل يسعى إلى توسيع مفهوم الثقافة ليواكب العصر. فالطالب الذي يستطيع تحليل رواية يجب أن يكون قادراً أيضاً على فحص فيلم، إعلان أو فيديو ينتشر عبر وسائل التواصل، وتزداد الأهمية مع تقدم الذكاء الاصطناعي الذي يخلق صوراً ومقاطع فيديو فائقة الواقعية يصعب تمييزها عن الحقيقة.

في هذا السياق لا يكمن الخطر في نقص المعلومات، بل في القدرة على فهمها وتمييز الدقيق من المضلل. المستقبل لن يُبنى بالكلمات وحدها بل بدمج النص والصورة والتفاعل الرقمي؛ لذلك لا يكفي أن تعلّم المدارس الطلاب قراءة الكتب فقط، بل يجب أن تُعلّمهم كيف يقرأون الشاشات التي تحيط بحياتهم اليومية.

كانت القراءة والكتابة منذ زمن طويل أداة التقدم في العصور السابقة. لكن في القرن الحادي والعشرين بات الإلمام بالثقافة البصرية جزءاً أساسياً من التعليم ذاته. من لا يجيد قراءة المشهد البصري من حوله قد يحمل شهادات علمية لكنه يبقى أمياً بلغة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *