السؤال المطروح ليس حول ما إذا كانت دول الخليج حاضرة على الساحة الدولية، بل حول طبيعة هذا الحضور وأبعاده الحقيقية. فمن الواضح أن هذه الدول تترك بصماتها في مجالات متعددة تشمل الطاقة والاستثمار والدبلوماسية والرياضة والتقنية والسياحة، فضلاً عن التحولات الاجتماعية والثقافية. لكن التساؤل الأعمق يدور حول من يملك القدرة على تفسير هذا الحضور وتأطيره، وكيف يُقرأ في المجتمعات المختلفة، ومَن يحدد في النهاية الصورة التي تستقر عنها الخليج في أذهان المواطنين والصحفيين والباحثين وصناع القرار خارج المنطقة.
حضور إعلامي لا يعني تأثيراً مضموناً
دول الخليج تظهر في آلاف الأخبار يومياً، لكنها في كثير من الأحيان تغيب عن المعنى الذي تسعى إليه، مما أتاح لوسائل إعلام غربية فرصة وضع الإطار الذي ينظر العالم من خلاله إلى المنطقة. فالحضور الإعلامي لا يضمن بالضرورة امتلاك التأثير، والانتشار لا يعادل الإقناع، وكثرة الحديث لا تعني القدرة على تغيير رأي الجماهير. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، إذ إن الجماهير ليست كتلة واحدة تنتظر رسالة خليجية موحدة. فهناك جمهور سياسي في واشنطن، وجمهور إعلامي في لندن وباريس، وجمهور اقتصادي في آسيا، وجمهور شاب يبني معرفته عبر المنصات الرقمية، وجمهور أكاديمي يعتمد على الدراسات والتقارير، وجمهور في دول الجنوب العالمي ينظر إلى العلاقات الدولية من خلال تجاربه مع الاستعمار والتنمية والسيادة. والاختلافات داخل هذه الجماهير قد تكون أحياناً أكبر من الاختلافات بين الدول ذاتها.
من تحديد الإطار إلى صناعة المعنى
السردية الخليجية ليست فقط فيما نريد قوله، بل فيما يفكر به الجمهور الذي ننشد الوصول إليه والتأثير فيه. فما الذي يعرفه هذا الجمهور عن الخليج؟ ما الصور المسبقة التي يحملها؟ من يثق به؟ وما السؤال الذي يبحث عن إجابة عنه؟ لذلك يجب على الخطاب الخليجي أن يحدد إطار النقاش، لأن من يحدد هذا الإطار يملك جزءاً كبيراً من القدرة على توجيه نتائجه والتأثير فيه. فإذا ظل الخطاب الخليجي يرد على أسئلة صاغها آخرون، مستخدماً مفرداتهم وافتراضاتهم، فإنه قد يقدم إجابات قوية، لكنه يظل يعمل داخل إطار لم يصنعه بنفسه. والانتقال من توضيح المواقف وتبريرها إلى صناعة المعنى هو الأساس في التأثير الجماهيري. فتوضيح الموقف نشاط دفاعي يبدأ بعد وقوع الحدث أو ظهور الاتهام، أما صناعة المعنى فهي عمل استراتيجي يحدد مسبقاً كيف نروي الماضي الذي نفتخر به، وكيف نفسر الحاضر الذي نتحكم فيه، وإلى أي مستقبل ندعو العالم الذي نحن من يصنعه.
السردية الاستراتيجية: الهوية والدور والمستقبل
يشير الباحثون في السرديات الاستراتيجية إلى أنها الأدوات التي تستخدمها الدول والفاعلون لبناء فهم مشترك للماضي والحاضر والمستقبل، وتحديد التحديات والغايات والأدوار داخل النظام الدولي. وهذا يعني أن المطلوب، إضافة إلى ما تم إنجازه، هو بناء سردية تجيب بوضوح عن أسئلة كبرى: من نحن وما التحول الذي نعيشه؟ ما القيمة التي نضيفها إلى العالم؟ ما نوع النظام الإقليمي والدولي الذي نؤمن به؟ وكيف تتصل مصالحنا بمصالح الإنسان خارج الخليج؟
وتظهر التجارب الدولية أن الدول لا تؤثر في رأي الجماهير إلا عندما تجمع بين السياسة والمصداقية والثقافة والعلاقات طويلة المدى. وهذا ما تتميز به دول الخليج التي أصبحت من أكثر الدول مصداقية في كثير من الملفات السياسية. وقد عرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق النتائج عن طريق الجاذبية بدلاً من الإكراه أو الدفع، مؤكداً أن مصادرها تكمن في الثقافة والقيم والسياسات عندما تبدو مشروعة وجذابة. وهذا أحد المعاني التي لا بد من تصديرها بسردية عالمية.
وتكشف التجارب الدولية أن التأثير الناجح يقوم على وحدة المعنى وتعدد الأصوات. فقد جمعت بريطانيا عبر حملة GREAT مؤسسات التجارة والسياحة والتعليم والثقافة تحت مظلة سردية واحدة، بينما بنت كوريا الجنوبية جاذبيتها من خلال الموسيقى والدراما والسينما والطعام والتقنية، أما إستونيا فحولت تقدمها الرقمي إلى تجربة قابلة للزيارة والتعلم، فأصبح الإنجاز نفسه أداة اتصال دولية. وبالنسبة للسردية الخليجية، لا بد من إنشاء منظومة مؤسسية تبدأ بالاستماع إلى الجماهير الدولية وتحليل اهتماماتها ومصادر ثقتها، ثم بناء سردية تتكون من ثلاث طبقات: هوية تشرح خصوصية الخليج، ودور يبين مساهمته في الأمن والاقتصاد والطاقة والتنمية العالمية، ومستقبل يوضح كيف يفيد تحوله العالم والجماهير.
يجب أن تقوم هذه السردية على قاعدة أن الخليج هو المستقبل للعالم، وأن تختلف الزاوية والقناة باختلاف الجمهور، مع إشراك الباحثين والمبدعين والجامعات ورواد الأعمال والطلاب والشركاء الدوليين في روايتها. كما ينبغي تحويل الإنجازات الخليجية إلى خبرات وتجارب، وتسويقها بخطاب يدرس في الجامعات ومراكز التفكير. ونجاحنا لا بد أن يقاس بتغير الأطر الإعلامية التي يعرفنا بها العالم، وزيادة الاستشهاد بالمصادر الخليجية، وتحول الاهتمام إلى تعاون أو استثمار. فالتأثير الحقيقي يبدأ حين تصبح القصة والرواية الخليجية قابلة لأن يعيد الآخرون روايتها بلغاتهم ومن داخل تجاربهم.





