وداعاً للورق.. ذاكرة صحيفة الرياض تبقى حاضرة في وجدان صحفييها وقرائها

09/09/2026 01:01

موقف إنساني لا يُنسى من تركي السديري

ضمن سلسلة المقالات التي خصصها الكاتب لتجربته مع مؤسسة اليمامة الصحفية وصحيفة “الرياض”، يستعرض في هذا الجزء الرابع والأخير مواقف ظلت راسخة في ذهنه. ففي أثناء فترة عمله مراسلاً في موسكو، زاره الأستاذ تركي السديري – رحمه الله – برفقة الزميل طلعت وفا، مستشار رئيس التحرير آنذاك – رحمه الله -.

وبعد عودة السديري إلى الرياض، ورغم أن الحديث لم يتطرق مطلقاً إلى أي مسائل مالية خلال الزيارة، فوجئ الكاتب في صباح أحد الأيام باتصال هاتفي شخصي منه يخبره فيه بقرار رفع مكافأته وتثبيتها. وكان هذا المبلغ يتجاوز ضعف ما كانت تمنحه أي صحيفة أخرى لمراسلها في موسكو في تلك الفترة. ويُرجح الكاتب أن السديري – رحمه الله – قد لاحظ ارتفاع تكاليف المعيشة في العاصمة الروسية أثناء زيارته، فبادر إلى زيادة المكافأة دون أن يطلبها الكاتب، في لفتة تعكس حرصه على تقدير جهود العاملين معه ومراعاة ظروف عملهم.

تكريم من يد خادم الحرمين الشريفين

ويؤكد الكاتب أن الانتماء إلى “الرياض” وتمثيلها، والثقة التي منحته إياها، كانت قيمة مهنية تتجاوز أي مقابل مادي؛ فالمال عابر، بينما تبقى الثقة والتقدير من ركائز التجربة المهنية وسجلها. ومن أبرز محطات مسيرته مع الصحيفة ما حظي به من دعم وتقدير لعمله خارج المملكة، تُوج بتكريمه مراسلاً صحفياً متميزاً خارجياً، حيث تشرف بتلقي التكريم من يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله – حين كان أميراً لمنطقة الرياض. ويعد هذا التكريم من أبرز محطات مسيرته المهنية والمواقف التي يعتز بها في حياته بشكل عام.

رحلة حياة وذاكرة لا تطوى

وعند استعادة هذه التفاصيل اليوم، يجد الكاتب أن مسيرته مع “الرياض” لم تكن مجرد سنوات قضاها في وظيفة صحفية، بل كانت رحلة حياة متكاملة امتدت نحو عقدين، تنقل خلالها بين الميدان والتحرير، وبين الوطن وموسكو، وبين الخبر والإنسان، وعاش فيها تجارب لا تزال حاضرة في الذاكرة. ويقر بأنه قد يكون من الصعب اختزال كل تلك السنوات في مقالات محدودة، لكنه يؤكد أن “الرياض” كانت من أهم التجارب التي شكلت مسيرته المهنية والإنسانية، بما حملته من عمل وتحديات ونجاحات، وما شهدته من مواقف وزمالات وعلاقات يعتز بها.

وفي هذه الرحلة الطويلة، كانت له مع كثير من الزملاء في “الرياض” علاقات ومواقف وتجارب ونجاحات، بعضها في الميدان وبعضها خلف الكواليس، وكل منها ترك في الذاكرة أثراً. ولكل زميل حكاية، ولكل مرحلة وجوه وأسماء وذكريات، لكن المقال لا يتسع لذكر الجميع أو لاستعادة كل التفاصيل. ويؤكد الكاتب أن ما لم يقله لا يعني أنه غاب عن الذاكرة؛ فهناك أسماء ومواقف كثيرة يحتفظ لها بالتقدير والامتنان، وستظل حاضرة في وجدان من عاش تلك السنوات، وإن لم تُكتب أسماؤها على الورق. ويرى أن من الوفاء لمن شاركوه تلك الرحلة أن تبقى لهم في الذاكرة مكانتهم، حتى وإن لم يتسع المقام لذكرهم جميعاً.

مدرسة مهنية وإنسانية

ومن أهم ما خرج به الكاتب من هذه الرحلة أن “الرياض” لم تكن بالنسبة له مجرد صحيفة عمل فيها أو مؤسسة مثلها، بل كانت مدرسة مهنية وإنسانية تعلم في رحابها الكثير؛ تعلم منها أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأن قيمة الصحفي لا تُقاس بما يكتب فقط، وإنما بما يتركه من أثر في مؤسسته وزملائه وقرائه. ويعد ذلك من حسن حظه أن يعيش هذه التجربة في مراحل مختلفة، وأن يلتقي خلالها بأشخاص تركوا في مسيرته أثراً لا يزال ممتداً حتى اليوم.

واليوم، حين يُطوى آخر عدد ورقي من “الرياض”، لا يشعر الكاتب أن صفحة من ذاكرته قد طُويت؛ فالصحيفة التي عاش بين صفحاتها، وكتب فيها، ومثلها خارج المملكة، أصبحت جزءاً من تاريخه الشخصي والمهني. ويرى أن انتقالها من الورق إلى الإلكتروني تطور طبيعي تفرضه التقنية ومتطلبات العصر، فالوسيلة قد تتغير، لكن رسالة الصحافة ومهنيتها وأثرها تبقى.

نعم، قد يُطوى الورق، وتغيب الصحيفة عن أيدي القراء، لكن ما قدمته “الرياض” خلال مسيرتها الصحفية سيبقى حاضراً في ذاكرة قرائها وصحفييها؛ بما راكمته من تجارب مهنية، وأجيال من العاملين، ومحطات صحفية أسهمت في مسيرة الإعلام السعودي. وربما يكون الأهم في هذا الوداع أننا لا نطوي صفحات صحيفة فحسب، بل نختتم مرحلة من تاريخ الصحافة الورقية امتدت لعقود، وشكلت جزءاً مهماً من المشهد الإعلامي العربي بشكل عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *