جدة – على الرغم من أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، قد سحب مشروعه الذي كان يهدف إلى فتح الهيئة الكروية الأعلى في العالم أمام مستثمرين من القطاع الخاص، بعد أن واجه انتقادات واسعة ومخاوف من تحويل كرة القدم إلى سلعة تجارية وسط شبهات تتعلق بتضارب المصالح، إلا أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) صعّد من هجومه على إنفانتينو.
تراجع إنفانتينو يثير ردود فعل متباينة
كان يويفا في طليعة المعارضين للخطة، حيث هدد بمقاطعة جميع المسابقات التابعة لفيفا، قبل أن يرحب بقرار سحب المقترح الذي رفضه بالإجماع، إلى جانب اتحادات قارية أخرى. ورغم الترحيب بالتراجع عن المشروع، أكد يويفا أن إنفانتينو فقد “ثقة” الاتحاد الأوروبي و”ثقة العديد من أفراد أسرة كرة القدم”، منتقداً ما وصفه بـ”الصفقة الباهتة التي أُبرمت خلف الأبواب المغلقة وبغياب الشفافية”.
إنفانتينو يشرح أسباب التراجع
من جانبه، أصدر إنفانتينو بياناً قبل ساعات قال فيه: “بعد الاستماع بعناية إلى جميع وجهات النظر، أصبح من الواضح أن المشروع أحدث انقسامات لم تعد تخدم الهدف الأساسي الذي أُطلق من أجله”. ويأتي تراجع رئيس فيفا في وقت يواجه فيه ضغوطاً إضافية، عقب الاستقالة الأخيرة لكبير مستشاريه، كارلوس كورديرو. وأضاف إنفانتينو: “كان هدفنا دائمًا، وسيظل دائمًا، توحيد الصفوف ودفع اللعبة إلى الأمام. لذلك، لن يتم اعتماد هذا المقترح”.
تفاصيل الخطة المثيرة للجدل
وكان فيفا قد كشف، الثلاثاء، وبشكل مفاجئ، عن خطة تهدف إلى رفع تمويل تطوير كرة القدم إلى 10 مليارات دولار أمريكي خلال الأعوام الأربعة المقبلة، إلا أنها قوبلت بانتقادات حادة، سواء من حيث مضمونها أم آلية طرحها. وكان إنفانتينو يعتزم إنشاء شركة تحمل اسم “فيفا فوروارد إنتربرايز”، تكون مفتوحة أمام مستثمرين من القطاع الخاص، وتتولى إدارة الأنشطة التجارية والفعاليات الكبرى التابعة لفيفا. وأثار المشروع مخاوف واسعة من أن يؤدي إلى المساس بطبيعة البطولات الكروية وتحويل كرة القدم إلى نشاط تجاري بحت.
مواقف الاتحادات القارية والوطنية
من جانبه، قال رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، في بيان: “يجب أن يُبنى مستقبل كرة القدم العالمية دائمًا على المشاورات المناسبة، والحوار الجماعي، واحترام هياكل الحوكمة في رياضتنا”. ورحب رئيس الاتحاد الآسيوي بسحب المقترح، داعياً إلى اعتماد مزيد من “الشفافية” مستقبلًا عند طرح أي مبادرات بهذا الحجم. بدوره، كتب الاتحاد المكسيكي لكرة القدم عبر منصة “إكس”: “نرحب بإعطاء الأولوية لوحدة جميع الاتحادات القارية والوطنية، بما يخدم مصلحة كرة القدم”. وأثار المشروع موجة اعتراض واسعة، ولا سيما من يويفا، الذي يضم 55 اتحادًا وطنيًا، ومن بين أعضائه سبعة من آخر عشرة منتخبات تُوجت بلقب كأس العالم. وكان يويفا قد هدد، الخميس، “بالإجماع”، بعدم المشاركة في مسابقات فيفا المقبلة، بما فيها كأس العالم، إذا لم يتراجع الاتحاد الدولي عن المشروع. من جهته، أعلن اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، الذي يضم 41 اتحادًا وطنيًا، “رفضه للمقترح”. كما انضم الاتحاد الآسيوي إلى المعترضين الجمعة، معربًا عن أسفه لغياب “الإجماع الواسع” اللازم لاعتماد مشروع بهذا الحجم.
مواقف أقل حدة وانقسامات
في المقابل، اتخذ كل من الاتحادين الأفريقي والأوقيانوسي موقفًا أقل حدة، داعيين الاتحادات الأعضاء إلى “دراسة” المشروع و”تقييمه”، فيما طالبت الكونفدرالية الأميركية الجنوبية (كونميبول) بمزيد من التوضيحات، مؤكدة ضرورة “وضع كرة القدم دائمًا فوق أي مصلحة أخرى”. وأبدى الاتحادات الإنجليزي والألماني معارضتهما للمشروع، وقال الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إنه ينبغي “إجراء مراجعة كاملة وشاملة لقيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم وحوكمته، وذلك لضمان إدارة اللعبة بشفافية”. أما نظيره الألماني فدعا إلى “فتح تحقيق شامل” بشأن كيفية إعداد خطة فيفا لإدخال مستثمرين من القطاع الخاص. وتابع: “علينا، بالتعاون مع ويفا والاتحادات القارية الأخرى، أن نضمن ترسيخ ثقافة مختلفة جذريًا داخل فيفا، ثقافة تُناقش فيها القرارات وتُتخذ مجددًا من قبل الأعضاء داخل هيئات الحوكمة”.
انتقادات من شخصيات سابقة ومخاوف من تضارب المصالح
وكان الرئيس السابق لفيفا، السويسري سيب بلاتر، قد علّق عبر منصة “إكس” قائلاً: “إذا بعنا جواهر كرة القدم إلى مستثمرين من القطاع الخاص، فإننا نبيع أيضاً جزءاً من هذه الرياضة، بل وروحها”، علماً بأنه كان قد وجّه انتقادات لإنفانتينو خلال كأس العالم 2026. وكان فيفا يطمح إلى جمع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار من خلال بيع حصص في شركة “فيفا فوروارد إنتربرايز” لمستثمرين من القطاع الخاص، على ألا تتجاوز ملكيتهم، بحسب الخطة، نسبة 20%. ومن بين المستثمرين المحتملين الذين أثاروا مخاوف معارضي المشروع، صندوق الاستثمار “ثرايف إترنال”، الذي أسسه جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل ما عُرف عن العلاقة الوثيقة التي تجمع إنفانتينو بترامب قبل وأثناء كأس العالم 2026.
فيفا لا يحتاج إلى هذه الأموال
ولو أُقر المشروع، لحصل كل واحد من الاتحادات الـ211 الأعضاء في فيفا على منحة استثنائية بقيمة 20 مليون دولار مطلع عام 2027، كما كانت مخصصات التمويل للدورة 2027-2030 سترتفع من 8 ملايين إلى 20 مليون دولار لكل اتحاد. وقالت رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم، ليزه كلافينيس، الجمعة الماضي: “إنها صورة من صور الابتزاز”، معتبرة أن “فيفا لا يحتاج إلى هذه الأموال”. وكان فيفا قد منح الاتحادات الأعضاء مهلة حتى 19 سبتمبر لإبداء موقفها من المشروع، وفقًا لرسالة بعث بها إنفانتينو إلى الاتحادات الـ211، وكشفت عنها وسائل إعلام عدة. ووصف يويفا هذه المهلة بأنها “إنذار نهائي”، واتهم فيفا باتباع “حوكمة قائمة على الترهيب”. ويُعتقد أن ضيق الجدول الزمني كان مرتبطًا أيضًا بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إذ يستعد إنفانتينو لخوض انتخابات رئاسة فيفا المقررة في مارس 2027، وهو المرشح الوحيد المعلن حتى الآن.





