في قلب جبال أبها الشامخة، يتجول رجل يذوب فيه شغف الصعود إلى القمم، حيث يعتقد أن الوصول إلى أعلى القمم يبعث فيه شعوراً بالتحرر والإنجاز. غير أن تلك القمم تحيط بها أجواء من العزلة والرهبة، فتتسلل إلى قلبه مخاوفٌ غير معلومة.
الوادي والضباب
يتنقل الرجل إلى وديان عميقة تتمايل مع مسار الشمس نحو الغروب، مستمتعاً بمشهد الضباب الكثيف الذي يذكره بأغنية قديمة كان يرددها مع أصدقائه، تصف هذا الضباب القادم من تهامة وتبحث فيه عروس طويلة القامة. يرتدي عباءة بيضاء، ويتجول بين القرى مستذكراً بلدته الصغيرة “أبها” وأحيائها المتناثرة، متمتعاً بذكرى الوادي الذي كان يبدو في صغره أكبر وأعظم، خصوصاً عندما يغمره سيل من مياه الأمطار الجارية من قمم الجبال.
يتذكر صوت الرعد والبرق والرائحة العطرة للأرض بعد المطر، وما كان يرافقه من أغاني طفولية يترنم بها أصدقاؤه عند هطول الأمطار، حين كانت الشمس تخترق السحب لتظهر من جديد.
سوق أبها الأسبوعي
يستعيد الرجل ذكريات سوق الثلاثاء الأسبوعي في أبها، حيث كان هو وأصدقاؤه يلعبون بين الأكشاك المؤقتة التي يقيمها التجار كل إثنين من كل أسبوع. كان المشهد يكتمل بمرور قوافل الجمال التي تحمل البن والحطب وأكياس الفحم، والقوافل التي تجرها الحمير محملة بالفاكهة من القرى المجاورة. وتظهر في هذا المشهد نساء جميلات يهبطن من القمم الجبلية ليبعن الفاكهة والريحان والكادي.
كان يوم الثلاثاء يُعدّ “العيد الأسبوعي” لبلدة جنوبية، وقد تأثرت حضارتها بالثقافات المجاورة، لا سيما التركية التي تركت بصمة واضحة على المأكولات والمشروبات منذ زمن ما قبل تأسيس المملكة.
نشأة الروح المتسائلة
بدأت قصة هذا الرجل عندما بدأ يلاحظ تفاصيل الأشياء ويسعى إلى ربطها. كان مستمعاً جيداً ومتحدثاً قليلاً، سُمح له بالسفر مع إخوته إلى الشام ثم جدة، ثم عبر البحر إلى مصر ولبنان برفقة والده.
في الليالي، كانت جدته تروي له قصصاً باللغة التركية، بينما كانت خالته تحكي له حكايات مرعبة عن أشباح تحمل أسماءً حيوانية مثل الجمال والماعز، ومخلوقات تصدر أصواتاً غريبة. هذه الحكايات، مع أسلوب السرد الوصفي للخالّة، منحت الطفل تصوراً شبه يقيني لأشكال وأصوات تلك الكائنات.
أجواء السوق وتفاعلاته
تحيط بالسوق الكبير أكشاك مسقوفة مرتبة على شكل مستطيل، وفي وسطه شجرة عود ترتفع فوقها إضاءة ضعيفة من أداة كهربائية لا تضيء إلا بقعة صغيرة. في أحد أيام الثلاثاء، حلّ محلّ سارق يُدعى “العم” يبيع الهيل والخناجر، ويتعامل مع البدو الذين يأتون بالسمن والعسل، مستمعاً إلى حكاياتهم عن الثأر والعشق ووصف النساء.
كان كل صيف يرافق أعمامه إلى مجلس الق tribe حيث يراقب الجد نائب القبيلة وهو يدير النقاشات بصمت، إذ كان للنائب كلمة الفصل في جميع الأمور.
في سوق الإثنين، كان يراقب بدويات جميلات يبعن السمن، ويتتبع أحاديث الغزل بين الفتيان كبار السن وبائعات الفاكهة. كان الشباب يتفاخرون بارتفاعهم على الأكتاف كرمز للرجولة والشجاعة.
خاتمة الحكاية
هذه هي البقعة التي تُعدّ مهد البدايات، حيث تنمو الأشياء طبيعياً وتتشارك القرى في طابع عام، لكن لكل قرية نكهتها الخاصة التي لا يخطئها القلب، سواء في لباس المرأة المتزوجة أو في انتظار الفتاة لحبيبها في الحقول عبر الفصول، أو في أنشودة الرعاة وأغاني المزارعين، أو أصوات العمال في موسم الحصاد أو في حفلات الزفاف والختان.
إنها الأرض التي تتنفس مع نبض الناس اليومية ومعاناتهم، وتمنح لمن يملك القدرة على ترجمتها إلى فنٍ صادق أن يبدع من بين صفوفهم، من القصص التي تتناقلها الأجيال في جنوب المملكة، في مناطق تهامة أو على سواحل البحر، حيث يخلد صياح الصيادين المتعبين في أغانيهم.
1994*
*أديب وصحفي سعودي (1950-2023)





