العدالة المكانية: نحو مدن سعودية تُعطي المشاة أولوية

15/06/2026 07:01

في العديد من المتروات الحضرية لا يزال التخطيط يُعطي الأولوية للسيارة فوق كل شيء، وكأن الشوارع صُنعت لتسهيل عبور المركبات فقط دون مراعاة احتياجات الناس. عندما تُهمل الأرصفة وتُقصر مسارات المشاة وتُستبعد عناصر الأمان والجمال، لا نفقد مجرد تفاصيل بنائية، بل نهدر جزءًا من مفهوم العدالة الاجتماعية ذاته.

ما هي العدالة المكانية؟

العدالة المكانية لا تقتصر على شعارات تُتلى في المؤتمرات، بل هي مفهوم حضاري يرتكز على حق كل إنسان في الوصول الآمن والمتكافئ إلى أروقة المدينة ومرافقها. الطفل، وكبير السن، وذو الإعاقة، والمرأة، والعامل، والطالب، وحتى السائح، جميعهم يستحقون أن يشعروا أن البيئة الحضرية صُممت لتلبي احتياجاتهم بدلاً من أن تُجبرهم على التكيف معها بصورة مستمرة.

العوائق الثقافية أمام تحسين الشوارع

يتصوّر بعض الأفراد أي مشروع لتوسيع الأرصفة أو إنشاء مسارات مشاة كتهديد ل«راحة السائق»، معتبرين أن توفير وقت القيادة يفوق أهمية سلامة المشاة. هذا الموقف الضيق يُظهر فجوة ثقافية تتجاوز مجرد الاعتراض على مخطط عمراني؛ فهو يُظهر أن المدينة لا تُقاس بعدد الجسور أو الأنفاق، بل بمدى قدرتها على حماية المواطن ومنحه كرامة الحركة داخل الفضاء العام.

نماذج عالمية تُعيد ترتيب الأولويات

في عدة مدن حول العالم تم دمج مفهوم العدالة المكانية في صميم التخطيط الحضري. في كوبنهاغن الدنماركية أعيد تنظيم الشوارع لتقليل سيطرة السيارات وإعطاء المشاة وراكبي الدراجات أولوية حقيقية، ما جعلها من بين أكثر المدن جودةً للعيش. وفي برشلونة الإسبانية تم تطبيق نظام «السوبر بلوك» الذي يحد من دخول السيارات إلى أحياء معينة ويعيد الفضاء إلى السكان. أما في سنغافورة، فقد تم الجمع بين النقل العام، ومسارات المشاة، والمساحات الخضراء في رؤية موحدة تُعزز

هذه التجارب لم تُنجح من خلال محاربة السيارات، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات. فالشارع ليس مجرد ممر من الإسفلت، بل هو مساحة اجتماعية، اقتصادية، ثقافية وصحية. كل رصيف مُصمم جيدًا يرفع من مستوى جودة الحياة، وكل معبر مشاة آمن يحفظ الأرواح، وكل مساحة خضراء أو مظللة تخفف من حدة المناخ وتضفي على المدينة طابعًا إنسانيًا.

فرص التحول في المملكة

تعيش المملكة مرحلة تحولات حضرية هائلة في إطار رؤية 2030، ما يفتح بابًا تاريخيًا لإعادة تعريف مفهوم المدينة السعودية. المشاريع الكبيرة في الرياض، وجدة، والشرقية وغيرها تتيح المجال لتطبيق أكواد تصميم عمراني أكثر صرامة فيما يتعلق بالأرصفة، وعناصر التهدئة المرورية، وإمكانية الوصول، والمسارات المظللة، وربط الأحياء بالخدمات.

تطبيق العدالة المكانية في السعودية لا يتطلب استنساخ صريح للتجارب الأجنبية، بل يتطلب تكييفًا ذكيًا يأخذ في الاعتبار المناخ، والثقافة، وطبيعة المجتمع السعودي. يمكن، على سبيل المثال، توسيع الأرصفة وتوفير مظلات تتناسب مع حرارة الصيف، وربط المدارس والمساجد والحدائق بمسارات مشاة آمنة، وفرض معايير موحدة لمعابر المشاة في جميع المدن. كما يمكن ربط منح التراخيص البلدية بالالتزام الحقيقي بجودة المشهد الحضري وليس بالمظهر السطحي فقط.

إن نجاح هذا التحول يتطلب أيضًا تغيّرًا ثقافيًا موازًا. لا يمكن بناء مدينة عادلة بعقلية تعتبر المشاة عائقًا مروريًا. احترام الإنسان على الطريق يُعد جزءًا لا يتجزأ من عملية التحضر، واحترام الفضاء العام يعكس وعي المجتمع بنفسه ومستقبله.

المدينة العادلة ليست معادية للسيارات، بل هي مدينة لا تجعل الإنسان هو الحلقة الأضعف فيها. عندما يشعر الطفل، وكبير السن، وذو الإعاقة، وجميع المشاة بالأمان والكرامة أثناء تنقلهم، فإن ذلك يدل على أن الشوارع لم تُطوَّر فحسب، بل تم إضفاء معنى جديد للحياة داخل المدينة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *