شهدت مسيرة التدريب الطبي في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية على مدى العقود الماضية، حيث انتقلت من نظام التعيين والإيفاد إلى عقود تدريبية محددة المدة، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الخريجين الجدد في ظل تزايد أعدادهم.
من القبول المضمون إلى التنافس المحموم
في السابق، كان خريجو كليات الطب يؤدون اختبار الهيئة السعودية للتخصصات الصحية الشامل أثناء سنة الامتياز، إذا ما كانوا يطمحون للالتحاق ببرنامج التخصص فور إنهائها. وكانت صلاحية هذا الاختبار عامين، فإذا مضى على اجتيازه أكثر من عامين قبل التسجيل في البرنامج، كان يتعين إعادته. لم يكن المقعد التدريبي يشغل بال أحد في ذلك الوقت، فعدد خريجي الطب كان محدودًا، إذ كان يتراوح بين 400 و600 طبيب وطبيبة على مستوى المملكة، يتخرجون من خمس كليات طب فقط. كان جميعهم يُعيَّنون بسهولة، ثم يُوفدون في بعثات محلية إذا كان التخصص متاحًا تحت مظلة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، أو يُبتعثون إلى الخارج إذا لم يكن التخصص متاحًا داخليًا، ليعودوا بعد ذلك أخصائيين. وبعد مرور ثلاثة أعوام على حصولهم على الزمالة، كانوا يُصنفون استشاريين في تخصصهم. وكان الطموحون يسعون للحصول على تخصص دقيق، فيُوفدون أو يُبتعثون مرة أخرى، ليعودوا فيفيدوا مجتمعهم، ويُعلِّموا الأطباء المتدربين، ويعالجوا المرضى بكل ما توصل إليه الطب الحديث.
تحول جذري في آلية القبول
بعد عام 2000، ومع تزايد عدد كليات الطلب والبرامج التدريبية ومقاعدها، أصبح الطبيب السعودي مطلوبًا في كل التخصصات. وتغيرت آلية القبول في وقت قصير من التعيين والإيفاد إلى عقود تدريبية، حيث يُقبل الطبيب وتتكفل وزارة الصحة والمستشفيات في القطاعات الأخرى كالمستشفيات العسكرية أو الجامعية براتب شهري له حتى انتهاء تدريبه، وذلك بعقد متفق عليه حسب مدة كل برنامج تخصصي. وهو بمثابة راعٍ للمتدرب، لكن بمجرد انتهاء التدريب ينتهي العقد، ويصبح على الطبيب التقدم لوظيفة ليجد مكانًا شاغرًا. وتستذكر إحدى الطبيبات موقفًا قالته: «خفت أنسى اللي تعلمته في البورد»، لكن بعد فترة منّ الله عليها بوظيفة، فسجدت لله شكرًا، قبل أن تنسى كيفية تركيب الأنبوب التنفسي وجرعة منشط القلب.
فجوة بين عدد الخريجين وعقود التدريب
مع زيادة عدد كليات الطب الحكومية والخاصة، ارتفع عدد الخريجين إلى ما يقارب 6000 طالب وطالبة. المشكلة اليوم ليست مجرد وجود خريجين دون مقاعد تدريبية، فالصورة أكثر تعقيدًا؛ فقد يوجد المقعد التدريبي والمركز المعتمد، وقد يمتلك الخريج المعدل والسيرة الذاتية والطموح، لكن السؤال الأهم يبقى: من سيتكفل برعاية هذا الطبيب أثناء سنوات تدريبه؟ عقد الطبيب المتدرب ليس مجرد راتب يتقاضاه الخريج، بل هو الجسر الذي ينقله من طبيب عام حديث التخرج إلى اختصاصي سيعمل بعد سنوات في المستشفيات ويدرب غيره. وعندما يقل عدد هذه العقود مقارنة بأعداد المتقدمين واحتياجاتهم وتنوع تخصصاتهم، فإننا لا نصنع مشكلة توظيف مؤقتة فحسب، بل قد نصنع معضلة في مسار صناعة الطبيب نفسه.
حلول مقترحة لسد الفجوة
قد لا تحتاج منشأة صحية في هذه اللحظة إلى تعيين عدد كبير من الأطباء المتدربين ضمن ميزانيتها التشغيلية، لكن بعد سنوات، حتمًا ستحتاج إلى أطباء طوارئ وأطفال وتخدير وعناية مركزة ونساء وولادة وجراحة وطب نفسي وغيرها من التخصصات. الطبيب الذي نحتاجه بعد خمسة أعوام يجب أن نبدأ تدريبه اليوم، وإلا فسنضطر إلى التعاقد مع أطباء غير سعوديين، ونحن نسعى إلى السعودة. الطبيب السعودي نادر، وإن زاد العدد فلدينا مستشفيات طرفية ومنشآت صحية موسمية وطب حشود. ربما علينا زيادة عدد المراكز المعتمدة للتدريب لتشمل مستشفيات طرفية إذا توفرت فيها الشروط، بحيث يُعين أبناء هذه المناطق فيها ويحصلون على التخصص ليخدموا مجتمعاتهم. ليس بالضرورة أن تكون المستشفيات المركزية هي وحدها التي توفر المقاعد التدريبية؛ فبدلاً من أن تستغني المنشأة الصحية الطرفية عن أطبائها للتدريب إن وجدوا مقعدًا، يمكنها استقطاب أعداد إضافية، وتقليل عقود الأطباء غير السعوديين الذين غالبًا يعملون في هذه المناطق، سعيًا لتحسين الخدمة وزيادة المقاعد التدريبية وسعودة الوظائف وبالتالي قلة التكلفة. ولا يحق للطبيب المتدرب أن ينتقل من المنشأة بعد إنهاء تدريبه، بل عليه أن يخدمها كمتخصص وكمدرب في البرنامج ذاته. كلية طب دون خطة مسار واضحة للطبيب تعني إضاعة وقت وهدر جهود، فكل طالب طب هو مشروع استشاري في تخصص ما بعد 15 عامًا تقريبًا من دخول الكلية، وهذا وقت كافٍ لوضع خطة مساره بأمان.





