مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» يستعرض شواهد أثرية تعود لمليون وثلاثمئة ألف عام في المملكة

08/09/2026 23:07

استعرضت إحدى الجلسات العلمية لمؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» الأبعاد الحضارية للتراث السعودي، مسلطةً الضوء على ما تزخر به المملكة من مواقع وشواهد أثرية توثق عمق تاريخها الحضاري وتؤكد حضورها في مسيرة الحضارات الإنسانية منذ عصور قديمة.

شواهد أثرية تعود لمليون عام

جاء ذلك خلال ورقة علمية حملت عنوان «الأبعاد الحضارية لتراث المملكة العربية السعودية» قدمها أستاذ الآثار واللغات القديمة الدكتور سعيد بن فايز السعيد. وتناولت الورقة أبرز الاكتشافات الأثرية التي أسهمت في رسم صورة متكاملة عن المراحل الحضارية التي مرت بها أرض المملكة.

وأوضح الدكتور السعيد أن التنقيبات والحفريات الأثرية كشفت عن شواهد تؤكد وجود الإنسان في أرض المملكة منذ نحو مليون وثلاثمئة ألف عام. واستعرض عددًا من الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في موقعي الشويحطية بمنطقة الجوف ونجران، والتي يعود تاريخ بعضها إلى نحو مليون عام، مما يعكس تطورًا مبكرًا في تقنيات صناعة الأدوات واستخدامها.

اكتشافات تبوك والنفود

وبيّن أن اكتشافات أثرية في منطقة تبوك أسهمت في تحديد وجود الجمل في الجزيرة العربية منذ نحو مئة وعشرين ألف عام، مشيرًا إلى أن هذه الاكتشافات تقدم شواهد مهمة على طبيعة الحياة والبيئة في الجزيرة العربية خلال فترات زمنية سحيقة.

وتطرق إلى ما يُعرف بـ«إصبع النفود»، بوصفه من الاكتشافات النادرة عالميًا لبقايا عضوية للإنسان، ويعود تاريخه إلى نحو خمسة وثمانين ألف عام، حيث عُثر عليه على حافة إحدى البحيرات القديمة في صحراء النفود شمال المملكة.

كما استعرض موقع «ساحوت» في منطقة حائل، الذي يقدم شواهد على تطور الصناعات الحجرية وتنوع استخداماتها قبل نحو ثلاثة عشر ألف عام، إلى جانب ما أظهره الموقع من بوادر مبكرة لنشأة مدرسة فنية في أراضي المملكة.

تحولات مناخية ونشوء المستوطنات

وأشار الدكتور السعيد إلى أن الجزيرة العربية شهدت قبل نحو أحد عشر ألف عام تحولًا مناخيًا كبيرًا، نتيجة انحسار معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي أسهم في حدوث تحولات في التركيبة السكانية والجغرافية، ومهّد لظهور القرى والمستوطنات البشرية. وذكر من بين تلك المواقع والقرى القديمة: «مصيون» التي يقدر عمرها بنحو أحد عشر ألف عام، و«النطاة» في خيبر التي يعود تاريخها إلى نحو ستة آلاف عام، و«قريّة» في منطقة تبوك التي يقدر عمرها بنحو خمسة آلاف عام، بالإضافة إلى مواقع أخرى في العلا واليمامة.

وتناولت الورقة عددًا من المدن والمراكز الحضارية التي كشفت عنها الدراسات الأثرية في مناطق مختلفة من المملكة، ومنها: تيماء والعلا وهجر ونجران ودومة الجندل والفاو والحِجر. وأكد الدكتور السعيد أنها تمثل مكونات رئيسة في البنية الحضارية للجزيرة العربية، وتبرز إسهام سكانها في صناعة الحضارة وتطوير أنماط الحياة.

إرث المملكة الحضاري في رؤية 2030

وأوضح أن الصناعة كانت من أبرز مظاهر التطور الحضاري في تلك المجتمعات، إذ تشير المكتشفات إلى تمكن السكان قبل أكثر من ثمانية آلاف عام من تشكيل الطين وتحويله إلى أدوات نفعية، ثم تطور صناعة الفخار من العمل اليدوي إلى استخدام العجلة، في تطور تقني أسهم في إحداث تحولات مهمة في تقنيات الصناعة. كما أشار إلى اكتشاف تقنيات صهر الحديد قبل نحو أربعة آلاف عام، وما ترتب عليها من تطور في الصناعات المختلفة، ومنها صناعة الأدوات والأسلحة ووسائل الزينة والمستحضرات الطبية.

وأكد الدكتور السعيد أن المملكة تتميز بكثرة النقوش والرسوم الصخرية التي تمثل سجلًا بصريًا للحياة الإنسانية في الجزيرة العربية، وما تتضمنه من مستويات متقدمة من التعبير الفني، من بينها مراعاة الأبعاد والنسب والمنظور، فضلًا عن وجود مدرسة مبكرة للنحت يعود تاريخها إلى نحو عشرة آلاف عام، كان لها تأثير في المدارس الفنية في مناطق من الشرق القديم.

واختتم الدكتور السعيد ورقته بالتأكيد على أهمية الإرث الأثري للمملكة، وما يمثله من قيمة تاريخية وثقافية وحضارية. وأشار إلى ما توليه الدولة من اهتمام بالتراث والآثار، وإدراجها ضمن أولويات رؤية المملكة 2030، لما لها من أبعاد معرفية وثقافية واقتصادية، ودورها في التعريف بالعمق الحضاري للمملكة وإبراز إسهامها في التاريخ الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *