نية زبيدة وسعي فاطمة هانم لتوصيل مياه عين نعمان إلى مكة

08/06/2026 23:01

الرؤيا والتفسير

لم تكن رؤية زبيدة المنامية مرتبطة بكيسي؛ ولو تخيلنا أنها استيقظت من نومها متفاجئة، فهذا ليس من سياق القصة بل يعود إلى كيسي. وجهت سؤالًا للسيد طاهر بن شهاب، تلميذ محمد الشاطري وذو قرابة معه، فأجاب بأنه لم يسمع هذه الرؤية مباشرةً من فم الشاطري، أي أن زبيدة رأت في منامها أن أهل الموقف يشاركونها في العمل. لكنه ذكر أنه سمع الشاطري، رحمه الله، يقول: “إن أحدهم رأى السيدة زبيدة في المنام، فسألها كيف أثابها الله عن عملها في مد المياه للحجاج؛ فقالت: لقد حصلت على ثواب المبادرة في إنجاز المشروع، أما النفقة فثوابها للمسلمين جميعًا؛ لأنها من مال الدولة.”

وأضاف أحد شيوخي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن لزبيدة أجر النية، وما أنفق من بيت المال فثوابه للمسلمين كلٌ بقدر استحقاقه منه.

تعليق ابن سيرين والميلاد

أكد صديق عزيز أن ابن سيرين، الذي يُقال إنه عبر رؤيا زبيدة بأنها عمل ينفع حجاج بيت الله الحرام، توفي عام 110هـ، بينما وُلدت زبيدة عام 149هـ. وأضاف أن ابن سيرين كان بصريًّا وليس كوفيًّا.

العقبة والجهد الهندسي

وبذلك صدق المثل المصري “الحلو ما يكمل”؛ إذ رغم الجهود الهندسية الضخمة التي أثّرت في التاريخ والجغرافيا والسيرة، كما ذُكر في المقال السابق، لم ينجح العمال في اختراق الجبل الذي حال دون وصول ماء عين نعمان إلى مكة. وبعد نحو سبعة قرون، علمت فاطمة هانم، كريمة السلطان العثماني في العقبة، بهذا العائق الذي منع ماء العين من الوصول إلى مكة المكرمة، فاستأذنت والدها لاستكمال ما عجز عن تحقيقه عمال زبيدة، فأذن لها، فوضّفت رجال الدولة العثمانية لشق الجبل. تم إنجاز المهمة بعد سنوات من العمل الشاق والجهد العظيم، ووصلت مياه عين نعمان إلى مكة المكرمة عام 974هـ. للراغب في مزيد من التفاصيل يُنصح بمراجعة كتاب “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” للمؤرخ محمد بن طاهر الكردي، الذي قامت بطبعه مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة.

دور النية في التاريخ

لم يُفصِّل المؤرخون دور فاطمة هانم الدقيق في مشروع عين نعمان، ولا ما إذا كانت قد حجّت لترى ما رأت زبيدة. ومع ذلك، دخلت فاطمة هانم التاريخ، وربما دخلت أيضًا الجغرافيا والسيرة، بفضل نيتها الصادقة وعزيمتها الثابتة في نفع عباد الله.

في الإسلام، تُعَدّ النية ذات شأنٍ كبير؛ ولم يُحدد الإمام البخاري حديثًا أفضَل من celui المتعلق بالنية لافتتاح كتابه الصحيح. هذا الحديث يُروى عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذي سمع النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يقول: “إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *