مع حلول موعد إعلان نتائج القبول في مؤسسات التعليم العالي والكليات التقنية سنوياً، يعيش آلاف الشباب لحظات من السعادة، بينما يواجه آخرون شعوراً بالإحباط نتيجة عدم تمكنهم من الحصول على مقعد دراسي، رغم ما يمتلكه العديد منهم من قدرات ومواهب تستحق الرعاية والدعم. هنا يبرز تساؤل جوهري: هل تعكس نسب القبول الحقيقية إمكانات جميع المتقدمين؟
معايير المفاضلة بين العدالة والشمولية
تعتمد الجامعات والكليات على معايير محددة للمفاضلة بين المتقدمين، وهي معايير ضرورية لتحقيق العدالة بين الأعداد الكبيرة من الراغبين في الالتحاق. غير أن هذه المعايير قد لا تستطيع الكشف عن جميع جوانب التميز؛ فهناك طلاب يمتلكون مهارات في مجالات الابتكار والبرمجة وريادة الأعمال والفنون والأعمال التقنية، لكن هذه المهارات لا تظهر بشكل كافٍ في المعدلات والأرقام. ويشير إلى ذلك مقال الزميلة الدكتورة رنا عبدالله الغامدي المنشور في صحيفة الجزيرة بتاريخ 21 سبتمبر 2026 تحت عنوان “موهوبون على عتبة القبول”، وهو مقال رائع يعبّر عن ضياع فرص للموهوبين.
اختبارات القدرات والتحصيلي: قياس محدود للاستعداد الأكاديمي
تؤدي اختبارات القدرات والاختبار التحصيلي دوراً مهماً في عملية المفاضلة بين المتقدمين، حيث تقيس بعض جوانب الاستعداد الأكاديمي. فاختبار القدرات يركز على القدرات التحليلية والاستدلالية والقابلية للتعلم، بينما يقيس الاختبار التحصيلي مدى استعداد الطالب والطالبة للمعارف والمفاهيم التي درسوها في مقررات المرحلة الثانوية. ومع أهمية هذين الاختبارين، إلا أنهما لا يقيسان بصورة مباشرة قدرات الطلاب الموهوبين.
خسارة المجتمع وضرورة توسيع الفرص
إن خسارة المجتمع لا تقتصر على عدم قبول طالب واحد، بل تتعداها إلى ضياع موهبة كان يمكن أن تتحول إلى مهندس مبدع، أو تقني متميز، أو رائد أعمال يخلق فرصاً للآخرين. لذلك، أصبحت خطوات مثل توسيع الطاقة الاستيعابية، واستحداث برامج قبول مرنة، والاهتمام باكتشاف المواهب إلى جانب التفوق الأكاديمي، خطوات مهمة لمواكبة احتياجات التنمية وسوق العمل. في الوقت نفسه، يجب ألا يربط الطلاب والطالبات مستقبلهم بنتيجة قبول واحدة؛ فالعالم اليوم يفتح أبواباً متعددة للتعلم والتأهيل، من الكليات والمعاهد والبرامج التدريبية إلى الشهادات الاحترافية والمنصات التعليمية وريادة الأعمال.
كثير من قصص النجاح بدأت بعد رفض أو تعثر، ثم تحولت إلى إنجازات لافتة بفضل الإصرار والعمل. إن بناء الوطن يحتاج إلى جميع الطاقات، وليس فقط إلى أصحاب أعلى الدرجات. كل موهبة تستحق فرصة حقيقية للنمو والإبداع، ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان وتوسيع فرص التعليم والتدريب هو الطريق الأمثل لضمان ألا تُهدر العقول الواعدة، وأن يجد كل شاب وشابة المسار الذي يحقق طموحه ويخدم وطنه.





