لم يعد الأمر مقتصراً على جبهات إضافية في مواجهة بين واشنطن وطهران، بل بدأت ملامح حرب مغايرة تتبلور حول الممرات المائية والموانئ ومرافق الطاقة. ففي هذا النمط من الصراع، لا يستلزم المهاجم إغراق أسطول كامل أو إغلاق ممر بحري تام، بل تكفي طائرة مسيّرة تستهدف ناقلة، أو اندلاع حريق في محطة غاز، أو تهديدات متكررة، لترتفع أقساط التأمين، وتتردد خطوط الشحن، وتضطرب الأسواق، فتصبح كل ثغرة مينائية رقماً في معادلة الحرب.
الضربة في دمياط… حين تتجاوز الحرب الخرائط
من هنا، جاء استهداف سفينتين داخل ميناء دمياط ليمثل تحولاً غير مسبوق؛ فمصر لم تكن طرفاً في المواجهة العسكرية، ويقع الميناء على المتوسط، بعيداً عن مسرح الأحداث الذي تعودت عليه الأنظار في هرمز وباب المندب. ومع ذلك، بلغته الحرب. ورغم أن التحقيقات المصرية لم تصدر بعد نتائجها النهائية حول الجهة المسؤولة، فإن الحادثة وحدها أكدت أن تمدد الصراع لم يعد فرضية نظرية.
الجغرافيا كسلاح
المعضلة أن إيران تسعى إلى تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط؛ فهي تطل على مضيق هرمز وتوظف موقعها لتهديد حركة الملاحة والطاقة، وتحرك وكلاءها في العراق، وتستخدم جماعة الحوثي في اليمن للضغط على باب المندب والبحر الأحمر، كما تحارب عبر حزب الله الإرهابي في لبنان. وبذلك توزع المخاطر على أكثر من جبهة، تاركة دول المنطقة أمام خصوم قد يأتون من خارج حدودها أو عبر مجموعات لا ترفع علم الدولة الراعية لها.
الرياض: من الدفاع إلى الردع المؤسسي
غير أن هذا التكتيك يصطدم بمعادلة مغايرة؛ فالسعودية، التي شددت مراراً على عدم رغبتها في التصعيد، أكدت في الوقت ذاته حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ومكتسباتها، واحتفظت بخيار الرد في الزمان والمكان المناسبين. وبعد أن اعترضت المسيّرات التي استهدفت المنطقتين الشرقية والرياض، نفذت القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات موجعة ضد أهداف تابعة لميليشيات إرهابية موالية لإيران كانت ضالعة في الهجمات على المملكة.
وتجاوزت الرياض مفهوم الرد على الهجمات المباشرة، بالمضي نحو ركيزة أوسع للوقاية، عبر الإعلان عن إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، تتولى المملكة قيادته وتستضيف مقره الدائم وقيادته المشتركة ومراكز عملياته. وهنا تكمن أهمية المبادرة السعودية؛ فهي لم تولد كردة فعل انفعالية، ولم تُقدّم بوصفها تكتلاً ضد دولة معينة، بل صيغة دفاعية لحماية حرية الملاحة وطرق التجارة وإمدادات الطاقة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
التحالف: وقف التمدد أم توسيع الحرب؟
وعليه، فإن هذا التحالف لا يعني توسيع نطاق الحرب، بل يسعى إلى احتواء انتشارها؛ لأن الفراغ في البحار لا يدوم طويلاً، فإما أن تملأه قوة منظمة تحمي الملاحة، وإما أن تستغله الميليشيات بالمسيرات والصواريخ والألغام. وقد اختارت المملكة الرد الجماعي المؤسسي، بدلاً من ترك كل دولة تواجه المخاطر وحدها. ويمنح نطاق التحالف الممتد من باب المندب عبر البحر الأحمر إلى خليج عدن المنطقة خط دفاع تقوده دولها على طول أحد أهم طرق التجارة والطاقة العالمية، ويتكامل مع الجهود الدولية للحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز، وعدم ترك الممرات البحرية رهينة للتهديد والابتزاز.
لطالما نظر العالم إلى هجمات السفن على أنها أزمات عابرة، إذ تتصاعد فيرسل المزيد من البوارج، ثم تخفت الهجمات ويعود كل طرف إلى نقطته السابقة. غير أن الوضع اليوم مغاير؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بسفينة محددة أو مضيق بعينه، بل بشبكة اعتداءات تمتد من هرمز إلى باب المندب، ومن حقول النفط الخليجية إلى ناقلات الغاز في دمياط.
لذا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت المنطقة بحاجة إلى ردع بحري جماعي، بل كيف يمكن تأسيسه بسرعة قبل أن تتحول كل ناقلة إلى هدف محتمل وكل ميناء إلى ساحة جديدة للقتال. وقد قدّمت المملكة، عبر قيادتها للتحالف الجديد، الإجابة الأولى: حماية الممرات ليست مسؤولية الدولة المطلة عليها فحسب، والاعتداء على سفينة تجارية ليس حادثاً محلياً، وأمن البحار لا يتحقق إلا عبر رؤية جماعية.
حرب الممرات المائية قد اندلعت فعلاً، لكن التحالف المعلن من الرياض يؤكد أن زمام المبادرة لن يظل في أيدي من يستخدمون المسيرات. لقد حان زمن الردع الجماعي، حمايةً لدول المنطقة والاقتصاد العالمي من حرب تسعى إيران وأذرعها إلى نقلها إلى كل ممر وميناء وركن في المنطقة.





