الانتشار المتسارع والمخاوف الأمنية
يزداد انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية التي تُتاح شفرةً مفتوحةً مثل Kimi K3، ما يثير تساؤلات حول المخاطر الأمنية المحتملة المرتبطة باستخدامها، خاصة مع اعتماد المؤسسات والمطورين عليها في تطبيقات حساسة. على الرغم من أن المخاوف غالبًا ما تنصب على مصدر النموذج أو شفافية الشيفرة، فإن الخبراء يرون أن المشكلة لا تكمن في طبيعة البرمجيات مفتوحة المصدر بحد ذاتها، بل في طريقة دمج هذه النماذج وتشغيلها داخل الأنظمة الرقمية.
تشمل أبرز المخاطر احتمال استغلال الثغرات الأمنية أو توظيف النماذج في تنفيذ هجمات إلكترونية، بالإضافة إلى إدخال مكونات برمجية غير موثوقة ضمن سلاسل التوريد الرقمية، ومخاوف متعلقة بحماية البيانات والخصوصية عند تشغيل النماذج دون ضوابط أمنية كافية. ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا تقتصر على النماذج الصينية فقط، بل تنطبق على أي نموذج مفتوح المصدر يُنشر أو يُطور دون مراجعات أمنية وإجراءات حوكمة فعالة.
تحليل الخبراء للمخاطر والحلول
حسب سام ساكس، الزميل البارز في مؤسسة “نيو أميركا” ومعهد أميركا والصين ومستقبل الشؤون العالمية بجامعة جونز هوبكنز، الذي نشر مقاله في صحيفة “فايننشال تايمز”: “المشكلة الحقيقية لا تكمن في البرمجيات مفتوحة المصدر الخارجية، بل في غياب التنسيق لحماية البنية التحتية في مواجهة الهجمات الإلكترونية\).” يضيف ساكس أن واشنطن تركز على المراقبة، وسرقة الملكية الفكرية، والتجسس، واحتمال تورط الصين في البنية التحتية المحلية الحيوية، وأن البيت الأبيض يبحث عن أدوات للحد من انتشار النماذج الصينية مفتوحة المصدر أو حتى فرض عقوبات عليها.
ويوضح أن النماذج مفتوحة المصدر مثل Kimi K3 تسمح لأي شخص بتحميل ومعاملات الأوزان (القيم التي تُتعلم أثناء التدريب وتحدد كيفية استخدام النموذج للمعلومات للتنبؤ بالنتائج)، ثم تعديلها وتشغيلها على سحابة خاصة أو بنية تحتية شخصية. لذلك، الأهم هو من يملك ويخدم الخادم الذي يشغل النموذج؛ يمكن للمستخدمين الأمريكيين القلقين بشأن إرسال البيانات إلى الصين تشغيل النماذج على أجهزة محلية يسيطرون عليها أو عبر مزودي خدمة استدلال خارجية.
ويشير ساكس إلى أن النماذج الصينية المفتوحة لا تخضع لرقابة موحدة، وأن مكان الاستضافة يؤثر على السلوك؛ فاستضافة النموذج على بنية تحتية أمريكية تجعلهُ يُجيب على أسئلة محظورة داخل الصين، وبما أن الأوزان مفتوحة يمكن للمستخدمين تعديل قيود المحتوى. حتى لو كانت البيانات مخزنة في الصين حيث يفرض قانون الاستخبارات الوطنية التعاون، فإن بعض الكيانات تُبدي مقاومةً لتقييد وصول الحكومة إليها؛ ففي مارس 2026، اشتبك مفتشو الحكومة الصينية الذين سعوا للوصول إلى بيانات منصة “بيندودو” مع موظفين حاولوا منعهم من الدخول، ما أسفر عن إصابة أحد المسؤولين بكسر في إصبعه.
ويذكر الكاتب أن الولايات المتحدة بحاجة إلى خيار مفتوح المصدر قابل للتطبيق، إذ أصبح هذا الخيار سريعًا أداةً حاسمةً لتعزيز النفوذ الوطني، ويشبهه كيفن شو من شركة “إنتركونكتد كابيتال” بأفلام ديزني وموسيقى البوب الكورية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في افتقار واشنطن إلى نهج شامل لدعم البنية التحتية الحيوية في مواجهة الهجمات الإلكترونية القوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي لم تعد مجرد افتراضات.
تجارب الاستخدام وآراء المتخصصين
الدكتور أحمد بانافع، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جامعة سان هوزه الحكومية بولاية كاليفورنيا، صرح لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” بأن من الضروري التمييز بين المخاطر المرتبطة بالنماذج المفتوحة بشكل عام والمخاطر التي قد ترتبط بالجهة المطورة أو بالإطار القانوني الذي تعمل ضمنه. وأضاف: “النماذج الصينية ليست جميعها مصدرًا للخطر، كما أن النماذج الأميركية أو الأوروبية ليست بمنأى عن المخاطر الأمنية أو التقنية\).”
من بين المخاطر التي ينبغي مراعاتها أمن سلسلة التوريد؛ فقد تحتوي بعض النماذج أو الأدوات المصاحبة لها على تعليمات برمجية أو مكونات إضافية غير مدققة، لذا يتحقق من مصدر النموذج وسلامة ملفاته قبل تنزيله من المستودعات العامة. ويؤكد بانافع أن الخصوصية وحماية البيانات تمثلان عاملاً أساسيًا في تقييم المخاطر؛ فاستخدام النموذج عبر خدمات سحابية قد يؤدي إلى انتقال البيانات إلى خوادم خارج الدولة، بينما ينخفض هذا الخطر بصورة كبيرة عند تشغيل النموذج محليًا (Local Inference) داخل بيئة المستخدم دون إرسال البيانات إلى جهات خارجية.
ويشير إلى أن الامتثال للقوانين المحلية مهم أيضًا؛ فالشركات الصينية تخضع للقوانين الصينية، كما تخضع الشركات الأميركية للتشريعات الأميركية، ولذلك قد تفرض بعض الحكومات والقطاعات الحساسة مثل المؤسسات العسكرية والبنية التحتية الحيوية قيودًا على استخدام نماذج أجنبية لأسباب تتعلق بالأمن القومي. ويلفت بانافع إلى أن بعض النماذج قد تعكس تحيزات أو ضوابط ثقافية وسياسية ناتجة عن طبيعة البيانات التي تدربت عليها، مما قد يؤدي إلى اختلاف طريقة تعاملها مع بعض الموضوعات الحساسة مقارنة بنماذج أخرى.
كما يوضح أن النماذج المفتوحة يمكن لأي جهة تعديلها أو إعادة نشرها بغض النظر عن بلد المنشأ، ما يستوجب التأكد من استخدام النسخ الأصلية الموثقة وعدم الاعتماد على نسخ معدلة مجهولة المصدر. ويضيف أن مستوى الشفافية والتوثيق يختلف من نموذج إلى آخر؛ فبعض المطورين يوفرون معلومات تفصيلية حول بيانات التدريب وآليات التقييم، بينما تكتفي نماذج أخرى بمعلومات محدودة، ما يجعل تقييم المخاطر الفنية والأمنية أكثر تعقيدًا.
وبخصوص ما إذا كان ينبغي تجنب هذه النماذج، يؤكد بانافع أن القرار يعتمد على طبيعة الاستخدام؛ فالنماذج مفتوحة الأوزان يمكن استخدامها بأمان نسبي في مجالات التعليم والبحث والتطوير، لا سيما عند تشغيلها محليًا وبعد التحقق من مصدرها. أما الشركات، فينبغي أن تسبق عملية دمجها في الأنظمة الداخلية مراجعة أمنية شاملة وتقييم لمدى الامتثال، بينما تتبع الحكومات والقطاعات الحساسة عادة سياسات أكثر تشددًا قد تتطلب مراجعات أمنية دقيقة أو تحد من استخدام بعض النماذج الأجنبية.
ويختتم بانافع حديثه بالقول: “الخطر الحقيقي لا يكمن في كون النموذج صينياً أو أميركياً، وإنما في مكان تشغيله، ونوعية البيانات التي يتم إدخالها إليه، ومدى موثوقية مصدره، وطبيعة التطبيق الذي سيُستخدم فيه\).” هذا ما يدفع العديد من المؤسسات إلى تشغيل النماذج مفتوحة الأوزان داخل مراكز بياناتها الخاصة، سواء كانت نماذج صينية مثل Qwen وKimi أو أمريكية مثل Llama، لضمان بقاء البيانات داخل بيئتها التشغيلية وتقليل المخاطر المتعلقة بالأمن السيبراني والخصوصية.
وبحسب تقرير لشبكة “إيه بي سي” فإن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تكتسب زخماً في الولايات المتحدة، وتوصف بأنها “أرخص وأكثر انفتاحاً وذكاءً\).” كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة موزيلا التي تدير متصفح فايرفوكس، رافي كريكوريان ومقره سان فرانسيسكو، تحول إلى استخدام نظام Kimi K3 من الشركة الصينية الناشئة “مونشوت” للعديد من أنشطته اليومية خلال أيام من إطلاق النموذج الجديد والقوي قبل أكثر من أسبوع. وقال عن برنامج K3 “يبدو أسرع بكثير”، مقارنه ببرنامج الدردشة الآلي الشهير والأكثر تكلفة “كلود فابل” من شركة “أنثروبيك” في سان فرانسيسكو. وكان يستخدم سابقاً نموذجاً صينياً آخر عالي الأداء، وهو GLM-5.2 من شركة Z.ai، للمهام الروتينية مثل إدارة التقويم والمستندات والبريد الإلكتروني.
ويعد كريكوريان واحدًا من بين عدد متزايد من الأميركيين الذين يتبنون أنظمة الذكاء الاصطناعي الصينية، والتي تكتشر عالمياً نظراً لانخفاض تكلفتها وكفاءتها المتزايدة. وقد صرحت شركات أميركية مثل منصة تداول العملات الرقمية كوين بيس بأنها بصدد التحوّل إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية للمساعدة في خفض التكاليف. أثارت شعبية تلك النماذج استياء بعض عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، ولكن في غياب حظر صريح، من المرجح أن تستمر في جذب مطوري البرامج المستقلين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: إن المخاطر المرتبطة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لا تقتصر على النماذج الصينية وحدها، بل تشمل جميع النماذج المفتوحة التي قد تفتقر إلى ضوابط كافية لحماية البيانات والأمن السيبراني. وأضاف أن النماذج الصينية تثير قدراً أكبر من المخاوف لدى العديد من الشركات والمؤسسات بسبب الاعتبارات المرتبطة بالأمن السيبراني وحوكمة البيانات.
ويبرز يرق أن أبرز هذه المخاطر يتمثل في حماية خصوصية المستخدمين؛ إذ قد لا تكون البيانات التي يتم إدخالها إلى هذه النماذج محمية بالشكل الكافي، ما يزيد احتمالات مشاركتها أو معالجتها من قبل أطراف ثالثة أو استخدامها في أغراض أخرى دون علم المستخدم، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للأفراد والمؤسسات على حد سواء. كما يشير إلى أن جودة المعلومات التي تقدمها هذه النماذج تعتمد في كثير من الأحيان على مصادر خارجية قد لا تتمتع بالدقة أو الموثوقية الكافية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مخرجات غير دقيقة أو مضللة، خاصة عند استخدامها في الأعمال أو اتخاذ القرارات.
ويؤكد يرق أن استخدام النماذج مفتوحة المصدر يتطلب درجة عالية من الحذر، ولا سيما عند التعامل مع بيانات شخصية أو معلومات حساسة؛ ويشدّد على أن المخاطر تصبح أكبر عندما يتم استخدام هذه النماذج داخل الشركات، لأن ذلك قد يعرض البيانات المؤسسية والملكية الفكرية ومعلومات العملاء لمخاطر أمنية وتسريب محتمل. ويختصر يرق حديثه بالقول: إن الشركات التي تعتمد على هذه النماذج يجب أن تضع سياسات واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن تطبق أعلى معايير الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، مع اتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية اللازمة قبل دمج أي نموذج مفتوح المصدر في بيئة العمل.





