أدرجت مجلة “تايم” الأمريكية في ختام العام الماضي البابا ليو الرابع عشر ضمن قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرًا في ميدان الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يطرأ على جميع جوانب الحياة المعاصرة ويُشعل سباقًا متسارعًا بين القوى الكبرى.
وفي أول خطبة له بعد أسابيع قليلة من توليه المنصب خلفًا للبابا فرنسيس، ألقى ليو الرابع عشر كلمةً شددت فيها على أن الحقيقة لا تميز بين البشر، بل تمنحهم القدرة على مواجهة تحديات العصر بنشاط وصلابة، مشيرًا إلى قضايا مثل الهجرة، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وحماية الأرض.
إصدار الرسالة العامة الأولى بعنوان “الإنسانية الرائعة”
مع بداية هذا الأسبوع، وبمناسبة مرور عام على جلوسه في سدة بطرس، كشف الفاتيكان النقاب عن “الرسالة العامة” الأولى للبابا، التي حملت عنوان “الإنسانية الرائعة”. وخصصت الرسالة بالكامل لتسليط الضوء على التكنولوجيا المتقدمة، وشروط التعامل مع تطبيقاتها، وتداعياتها البعيدة على حياة الفرد، وعلى موازين القوى والعلاقات الدولية.
اهتمام الكنيسة المتزايد بالذكاء الاصطناعي
ليس سراً أن الكنيسة الكاثوليكية تولي الذكاء الاصطناعي اهتمامًا خاصًا؛ فقد كلف البابا فرنسيس أحد الرهبان المتخصصين في العلوم التقنية بتشكيل لجنة لدراسة هذا المجال ومتابعة تطوره، مستدعيًا كبار المتخصصين لإقامة ندوات حوارية داخل الفاتيكان. وتواصل هذا الاهتمام مع البابا الحالي، إذ اختار لقب “ليو الرابع عشر”، وأوضح في أول محاضرة له أمام مجمع الكرادلة أن المسألة الاجتماعية كانت محور اهتمام البابا ليو الثالث عشر خلال الثورة الصناعية الأولى، مضيفًا أن الكنيسة تقدم اليوم كنوز عقيدتها الاجتماعية لمواجهة ثورة صناعية جديدة تشمل تطورات الذكاء الاصطناعي التي تطرح تحديات في مجال كرامة الإنسان والعدالة والعمل.
رسالة حادة: “لا بد من نزع سلاح الذكاء الاصطناعي”
ختم ليو الرابع عشر رسالته العامة الأولى بالعبارة القوية: “لا بد من نزع سلاح الذكاء الاصطناعي”. وأوضح أن هذه العبارة قد تبدو شديدة لكنه اختارها عن قصد وإدراك. وأشار إلى أن الكنيسة تنشط منذ عقود لنزع السلاح النووي، وأنه يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي خاليًا من أي استعمال كسلاح للهيمنة أو وسيلة للموت والإقصاء.
سياق تاريخي وتوجيهات مستقبلية
في عام 1891، دعا البابا ليو الثالث عشر في رسالته العامة إلى تكريس حقوق الطبقات العاملة في القطاع الصناعي، منتقدًا تجاوزات الرأسمالية الاحتكارية، وذلك في وقت صدور “المانيفست” الشيوعي. واليوم، يتولى أول بابا أمريكي قيادة “المعركة الأخلاقية الكبرى” في عالم الذكاء الاصطناعي، مستحضراً مارتن لوثر كينغ والمدافعين عن الحقوق المدنية والبيئة. وحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يولد أنماطًا جديدة من العبودية، مستشهدًا بظروف العمال في مناجم استخراج المعادن الضرورية للتقنية الرقمية، ومؤكدًا أن الكنيسة تجدد إدانتها لكل أشكال العبودية والاتجار بالبشر وتحويلهم إلى سلع، محذرةً من أن التغاضي عن هذه الممارسات يُعد تواطؤًا في ارتكاب جرائم وذنوب.
كما رفض البابا مبدأ “الحرب العادلة” في رسالته، داعيًا إلى إعادة تفعيل نظام دولي متعدد الأطراف يرتكز على الحوار والمواثيق واحترام حقوق الإنسان.
ملخص النقاط الأساسية في الرسالة العامة
- لا توجد خوارزمية قادرة على القبول أخلاقيًا بأي نزاع مسلح.
- من الواجب التصدي للمنصات الرقمية عندما تتعارض مصالحها مع مصالح القاصرين.
- يجب رفض المصادقة على الثقافة التي تولدها الشبكات الرقمية.
- الاستعمار الجديد يحوّل حياة الناس إلى بيانات جاهزة للبيع والتداول.
- يتعين على الحكومات استباق فقدان فرص العمل نتيجة للذكاء الاصطناعي من خلال التخطيط والتنظيم وتقديم البدائل.
- الكنيسة، التي أبطأت في إدانة العبودية، تعلن اليوم إدانتها القوية وتطلب الغفران باسمها.
تجدر الإشارة إلى أن الرسالة العامة الأولى للبابا ليو الرابع عشر لا تقتصر على إطار عام لمواجهة التداعيات الاجتماعية للذكاء الاصطناعي. فالكنيسة الكاثوليكية تمر بأحد أعمق أزماتها في تاريخها نتيجة للفضائح الجنسية التي انتشرت على نطاق واسع، وتراه الآن في هذه التكنولوجيا مصدرًا محتملًا لمزيد من المشكلات المستقبلية. كما يراهن بعض المراقبين على أن الذكاء الاصطناعي قد يُستَخدم كوسيلة متقدمة لنشر الرسالة الكاثوليكية التي تشهد تراجعًا منذ سنوات.








