من سبها إلى المؤسسات: مسار الرايات السود في ليبيا بين السلاح والتغلغل الاجتماعي

24/07/2026 21:00

لم تبدأ محاولات فرض أنماط متشددة من التدين في ليبيا مع حادثة الجلد التي شهدتها مدينة سبها مؤخراً، بل تمتد جذورها إلى الفترة التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر 2011، عندما أدى انهيار هياكل الدولة واتساع الفجوة الأمنية إلى بروز جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة تمكنت من بسط نفوذها في عدة مناطق ورفعت الرايات السود.

لم يقتصر نشاط هذه الجماعات على المواجهات العسكرية، بل امتد إلى محاولة إعادة تشكيل الفضاء العام وفق تفسيرها الخاص للشريعة الإسلامية، عبر استهداف التراث الديني، وفرض قيود اجتماعية، والتأثير في الخطاب الديني، ثم السعي لاحقاً إلى توسيع حضورها داخل بعض المؤسسات والقطاعات ذات التأثير المجتمعي.

وعلى مدار 15 عاماً، شهدت ليبيا تحولات متعاقبة انتقلت فيها محاولات فرض هذا المشروع من السيطرة المسلحة إلى أدوات أقل صداماً لكنها أكثر ارتباطاً بالمؤسسات والفضاء الاجتماعي، في مسار يراه مراقبون أنه يهدف إلى ترسيخ نفوذ فكري وأيديولوجي طويل الأمد حتى بعد تراجع الوجود العسكري للتنظيمات المتطرفة.

2011: البدايات السياسية والدينية

مع انطلاق المرحلة الانتقالية، أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي آنذاك مصطفى عبد الجليل في أكتوبر 2011 أن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الرئيسي للتشريع، مؤكداً مراجعة القوانين التي تتعارض مع أحكامها. وجاء هذا الإعلان ضمن رسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة، لكنه فتح أيضاً باباً واسعاً للنقاش حول موقع المرجعية الدينية في التشريع، بالتزامن مع تنامي حضور التيارات الإسلامية المسلحة في المجالين السياسي والدعوي.

2012-2014: من استهداف الأضرحة إلى السيطرة المسلحة

بعد أشهر من سقوط النظام، برزت أولى المظاهر العملية للفكر المتشدد عبر استهداف المزارات الصوفية والأضرحة التاريخية. ففي عام 2012، شهدت مدن غرب ليبيا هدم مسجد وضريح سيدي الشعاب في طرابلس وضريح سيدي أحمد زروق في مصراتة، بالإضافة إلى اعتداءات على مواقع دينية في زليتن، تبنتها مجموعات سلفية متطرفة اعتبرت تلك المزارات مخالفة لعقيدتها. وأثارت هذه الاعتداءات إدانات واسعة داخل ليبيا وخارجها، فيما حذرت منظمة اليونسكو من خطورة استهداف التراث الديني والثقافي الليبي.

ومع اتساع الانقسام السياسي والأمني في عام 2014، تمكنت تنظيمات متطرفة وإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش إلى جانب جماعات مسلحة أخرى، من فرض سيطرتها على مناطق في بنغازي ودرنة وسرت. وخلال تلك المرحلة، أنشأت محاكم شرعية، ورفعت الرايات السود في الساحات العامة، ونفذت عمليات جلد وإعدام وذبح علنية، وفرضت قيوداً مشددة على النساء، ومنعت أنشطة اجتماعية وثقافية، وألزمت السكان بأنماط محددة من الملبس والسلوك، في مشهد أعاد إلى الأذهان تجربة تنظيم داعش في العراق وسوريا. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات لم تكن مجرد ترتيبات أمنية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، بل جزءاً من مشروع لإعادة صياغة المجتمع وفق تفسير متطرف لجماعات لا تنتمي للشعب الليبي الوسطي.

2016-2021: التراجع العسكري والتحول إلى الكمون

بدأ التراجع العسكري للتنظيمات المتشددة مع إطلاق عمليات واسعة لاستعادة المدن التي كانت تحت سيطرتها. ففي السادس من ديسمبر 2016، أعلنت قوات حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج تحرير مدينة سرت بالكامل بعد انتهاء عملية “البنيان المرصوص”، لتنهي الوجود الرئيسي لتنظيم داعش في المدينة. وفي الخامس من يوليو 2017، أعلن الجيش الوطني الليبي تحرير مدينة بنغازي بعد معارك استمرت أكثر من 3 سنوات ضد تنظيم داعش و”مجلس شورى ثوار بنغازي”، بقيادة الراحلين اللواء ونيس بوخمادة والرائد محمود الورفلي مع وحدات من القوات الخاصة “الصاعقة”، حيث تحول القياديان إلى أيقونتين في القضاء على الإرهاب المسلح في شرق ليبيا. وفي الثامن والعشرين من يونيو 2018، أعلن الجيش الوطني الليبي السيطرة الكاملة على مدينة درنة بعد القضاء على “مجلس شورى مجاهدي درنة” والجماعات المتحالفة معه، فيما فر عدد من عناصر تلك التنظيمات إلى مناطق في الغرب والجنوب.

ورغم انتهاء السيطرة العسكرية على أبرز معاقل التنظيمات، يرى مراقبون أن المشروع المسلح وإن تحول إلى الكمون بفعل المطاردة العسكرية، إلا أن المشروع الفكري لم ينته، بل اتجه إلى أدوات للتخفي بأقل صداماً وأكثر قدرة على الاستمرار. وعاد ملف الاعتداء على المزارات الدينية إلى الواجهة مطلع عام 2021، بعدما شهدت مدينة صرمان عمليات نبش قبور وتدمير لمعالم تاريخية ومزارات صوفية، في وقائع أعادت إلى الأذهان ما شهدته البلاد بعد عام 2011، وأثارت موجة جديدة من الإدانات الحقوقية والثقافية وسط تحذيرات من استمرار استهداف الموروث الديني الليبي رغم تراجع التنظيمات المسلحة.

2022-2026: التغلغل المؤسسي وعودة الجدل

مع انحسار النشاط العسكري، اتجهت الأنظار إلى قطاع التعليم باعتباره أحد أهم ميادين التأثير طويلة المدى. ففي أبريل 2022، أصدرت حكومة الوحدة الوطنية قراراً يسمح بإنشاء مدارس دينية تحت إشراف دار الإفتاء التي يرأسها المفتي الصادق الغرياني، مما أثار نقاشاً واسعاً بين مؤيدين اعتبروه خطوة لتعزيز التعليم الشرعي ومنتقدين رأوا أنه قد يفتح المجال أمام توسيع نفوذ توجهات دينية داخل المنظومة التعليمية.

وشهد عام 2025 تصاعداً في الجدل حول نفوذ التيارات الإسلامية داخل بعض مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، هاجم المفتي الصادق الغرياني المحكمة الدستورية العليا ومؤسسات القضاء، مشككاً في شرعيتها، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لممارسة ضغط سياسي وديني على مؤسسات الدولة. وفي العام نفسه، عقد الغرياني اجتماعاً مع وزير التعليم العالي لبحث أوضاع الكليات الدينية وسبل دعمها، الأمر الذي أثار مخاوف لدى منتقدين من توسيع الحضور داخل المؤسسات الأكاديمية الدينية. كما عاد استهداف المزارات الصوفية إلى الواجهة بعد تفجير ضريح “سيدي زلي” بمدينة زليتن، في حادثة أعادت المخاوف من تجدد الاعتداءات على الرموز الدينية والتراثية.

واتخذ الجدل منحى جديداً خلال عام 2026، مع صدور قرار يقضي بالفصل الكامل بين الجنسين داخل المؤسسات التعليمية، مما أثار انقساماً واسعاً بين من اعتبره انسجاماً مع القيم المحافظة للمجتمع وبين من رأى أنه يعكس توجهاً نحو فرض قيود اجتماعية أوسع. وبعد أشهر، أعادت واقعة تنفيذ حكم بالجلد بحق امرأة في مدينة سبها الملف إلى واجهة النقاش، بعدما انتشر مقطع مصور للحادثة على نطاق واسع. وأعلنت السلطات المختصة لاحقاً توقيف المتورطين وفتح تحقيق في الواقعة، فيما أكد المجلس الأعلى للقضاء أن تنفيذ الأحكام يجب أن يتم حصراً وفق الإجراءات القانونية التي تكفل كرامة الإنسان وتحفظ هيبة القضاء، مما أعاد طرح أسئلة حول الجهة المخولة بتنفيذ الأحكام وحدود تطبيقها.

ويرى مراقبون أن واقعة سبها أعادت إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الدين والقانون والدولة، وحدود سلطة الجماعات أو الأفراد في فرض تصوراتهم على المجتمع. كما أعادت التذكير بأن ليبيا، رغم نجاحها في إنهاء سيطرة التنظيمات المتشددة على معظم معاقلها المسلحة، لا تزال تواجه تحدياً موازياً يتمثل في مواجهة الأفكار المتطرفة وترسيخ احتكار الدولة لسلطة إنفاذ القانون، باعتبار ذلك أحد أهم شروط استقرار البلاد واستكمال بناء مؤسساتها.

آراء الخبراء: من السلاح إلى المؤسسات

أكد أستاذ العلوم السياسية الليبي ورئيس حزب ليبيا الكرامة الدكتور يوسف الفارسي، في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية”، أن المجتمع الليبي ظل يرفض محاولات فرض أي رؤية دينية بالقوة، مشيراً إلى أن التنظيمات المتشددة استخدمت الدين غطاءً لمشروع سياسي وأيديولوجي لا يعكس جوهر الشريعة الإسلامية. وأوضح أن هذه الجماعات اعتمدت مسارين متوازيين: الأول هو السيطرة المسلحة وفرض الأمر الواقع، وهو مسار انتهى بعد المواجهة العسكرية التي دعمتها قطاعات واسعة من الليبيين حتى تم القضاء على أبرز معاقل الإرهاب. أما المسار الثاني، فكان أكثر هدوءاً وأطول نفساً، إذ استند إلى محاولة التأثير في الوعي المجتمعي عبر التعليم والخطاب الديني وبعض القرارات الإدارية، بما يضمن استمرار حضور المشروع الأيديولوجي بعيداً عن المواجهة العسكرية، مع تنفيذ عمليات متفرقة بين الحين والآخر لإثبات استمرار النشاط. وأشار الفارسي إلى أن الجنوب الليبي لا يزال يمثل إحدى الساحات التي تسعى التنظيمات المتشددة إلى استغلالها، سواء عبر نشر الفكر المتطرف أو من خلال استهداف البوابات الأمنية والمعابر الحدودية ومناطق الانتشار العسكري. وشدد على أن استكمال بناء مؤسسات الدولة، واحتكارها وحدها سلطة إنفاذ القانون، وتعزيز الخدمات العامة، وترسيخ خطاب ديني وسطي، تمثل الركائز الأساسية لمنع تكرار هذه التجارب وإغلاق المجال أمام أي مشروع يسعى إلى فرض رؤيته الأيديولوجية على المجتمع.

أما الخبيرة القانونية والدستورية الليبية الدكتورة جازية شعيتير، فرأت في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” أن واقعة الجلد في سبها كشفت عن تداخل معقد بين الاعتبارات القانونية والشرعية والحقوقية، مؤكدة أن تنفيذ الأحكام يجب أن يكون وفق الضمانات التي يكفلها القانون والشريعة معاً، وبما يصون كرامة الإنسان. وأضافت أن تحقيق العدالة لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات تفتقر إلى المشروعية القانونية أو تمس الكرامة الإنسانية، معتبرة أن ما جرى في سبها يثير مسؤولية قانونية تستوجب التحقيق والمساءلة لكل من شارك فيه أو سمح بوقوعه. واعتبرت أن فتح السلطات الليبية تحقيقاً في الواقعة يمثل خطوة ضرورية لترسيخ مبدأ سيادة القانون، ويؤكد أن تنفيذ الأحكام القضائية يجب أن يبقى اختصاصاً حصرياً للدولة، وفق إجراءات واضحة تخضع لرقابة القضاء، بعيداً عن أي ممارسات قد تفتح الباب أمام توظيف الدين أو القانون خارج الأطر المؤسسية.

من جانبه، يرى المحلل السياسي الليبي حسام فنيش، في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية”، أن المزاج العام في ليبيا يرفض الفكر المتشدد والمتطرف، مشيراً إلى أن المجتمع الليبي عرف تاريخياً بوسطيته، وأن محاولات فرض أنماط دينية أو اجتماعية بالقوة لم تلق قبولاً شعبياً، وهو ما برز في الموقف من التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الماضية. ويؤكد فنيش أن واقعة سبها تطرح تساؤلات تتجاوز الحادثة نفسها لتفتح نقاشاً حول المنظومة التشريعية وآليات تنفيذ الأحكام في ليبيا، ويقول إن من الضروري مراجعة الإطار القانوني المنظم لتنفيذ الأحكام. ويضيف أن القاضي، حتى في القضايا التي يمنحه فيها القانون سلطة تقديرية، يملك بدائل متعددة عند إصدار العقوبة، وهو ما يدفع –بحسب رأيه– إلى التساؤل عن الظروف والملابسات التي أحاطت بقرار تنفيذ الحكم بهذه الكيفية. ودعا إلى تحقيق شامل لا يقتصر على الجوانب الإجرائية بل يمتد إلى بحث الخلفيات والدوافع التي أفضت إلى وقوع الحادثة. ولا يستبعد فنيش أن تكون الواقعة قد استُغلت لإثارة توترات كامنة في الجنوب الليبي، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني وانتشار بعض التيارات المتشددة في مناطق متفرقة، محذراً من احتمال تكرار حوادث مشابهة في مناطق بعيدة عن نفوذ السلطة المركزية، إذا لم تعزز مؤسسات الدولة حضورها وتفرض سيادة القانون بصورة متساوية على جميع الأراضي الليبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *