فطر تشيرنوبيل الأسود ومقاومته للإشعاع
بعد أكثر من أربعين سنة على الحادث النووي في تشيرنوبيل، ما زالت البيئة المحيطة تكشف عن كائنات حية غير معتادة، أبرزها الفطريات الداكنة التي تنمو في مناطق ملوثة إشعاعياً. أظهرت تجارب مخبرية أن بعض هذه الفطريات قد يزداد معدل نموها عندما تتعرض لمستويات محددة من الإشعاع المؤين.
التنوع الفطري داخل المفاعل
مسوحات أجراها العلماء في عامي 1997 و1998 رصدت انتشاراً واسعاً للفطريات على الجدران والمنشآت الداخلية للمفاعل المتضرر. دراسة نشرت عام 2000 حددت نحو 37 نوعاً فطرياً تنتمي إلى 19 جنساً، وكان فطر كلادوسبوريوم سفيروسبرمم من الأنواع الأكثر شيوعاً. لوحظ أن الفطريات الغنية بصبغة الميلانين كانت أكثر انتشاراً في الأماكن ذات التلوث الإشعاعي المرتفع، ما عزز فكرة أن هذه الصبغة تمنحها قدرة إضافية على تحمل الظروف القاسية.
هل يستغل الفطر الإشعاع كمصدر طاقة؟
أشار بحث صدر عام 2007 في دورية بلوس ون إلى أن الإشعاع المؤين يغير بعض الخصائص الإلكترونية للميلانين ويعزز قدرته على نقل الإلكترونات. كما سجلت بعض الفطريات الميلانينية زيادة في النشاط الأيضي والنمو بعد التعرض للإشعاع، وظهر تأثير مشابه لفطر كلادوسبوريوم سفيروسبرمم عندما نما في بيئة محدودة العناصر الغذائية. هذه النتائج أدت إلى طرح فرضية تُعرف باسم التخليق الإشعاعي، التي تقترح أن الميلانين قد يساعد الفطر على التقاط جزء من طاقة الإشعاع واستخدامها، على الرغم من عدم وجود مسار أيضي متكامل يثبت تحويل الإشعاع إلى طاقة كيميائية قابلة للاستخدام حتى الآن.
تجربة في الفضاء والآفاق المستقبلية
لم تقتصر الدراسات على الأرض؛ إذ أُرسل فطر كلادوسبوريوم سفيروسبرمم إلى محطة الفضاء الدولية لاختبار نموه وقدرته على تخفيف الإشعاع. خلال تجربة استمرت نحو شهر، أظهرت القياسات التي وضعت تحت طبقة فطرية سمكها مليمتران انخفاضاً طفيفاً في جرعة الإشعاع مقارنة بالمنطقة الضابطة، ولوحظ أيضاً زيادة في نمو الفطر داخل المحطة. ومع ذلك، تبقى النتائج أولية لأن الدراسة نُشرت على منصة للمسودات العلمية ولم تمر بعملية التحكيم التقليدية، وكانت التجربة صغيرة ومحدودة. يدرس الباحثون إمكانية استغلال الفطريات الميلانينية أو الميلانين المستخلص منها لتطوير دروع إشعاعية قابلة للتجدد للرحلات الفضائية الطويلة.





