مع تزايد إنتاج المحتوى الثقافي وتنوع الوسائل التي تصل إلى جمهور القراء، تجد صناعة الكتاب نفسها أمام معادلة اقتصادية أكثر تعقيداً. فارتفاع تكاليف الإنتاج، والعمولات التي تأخذها قنوات التوزيع، ونفقات المشاركة في المعارض، وأعباء الشحن والتسويق، كلها عوامل تضغط على هامش الربح وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة دور النشر الصغيرة والمؤلفين على الاستمرار.
تكاليف النشر.. أعباء تبدأ قبل الطباعة ولا تنتهي عند البيع
ويضع الكاتب والمؤلف والمحرر الأدبي والوكيل الأدبي السعودي المرخص من وزارة الثقافة، محمد توفيق بن أحمد بلو، هذه الإشكاليات في سياق تجربته العملية في التأليف والنشر. ويؤكد أن اقتصاديات الكتاب لا تنطلق من المطبعة ولا تقف عند رف المكتبة، بل تتشكل من سلسلة متكاملة من التكاليف تبدأ بالتأليف والتحرير والتدقيق والتصميم والإخراج، وتمتد إلى الطباعة ثم التسويق والتوزيع والبيع.
ويلفت بلو إلى أن كثيراً من المؤلفين الجدد يظنون أن الطباعة هي التكلفة الأساسية للكتاب، في حين أن النفقات الفعلية تتوزع على مراحل متعددة قبل الطباعة وبعدها. ويحذر من أن تقليص الإنفاق على التحرير والتدقيق والتصميم قد ينعكس سلباً على جودة المنتج النهائي، ويضعف فرصه في التسويق والمنافسة.
ويستشهد بلو بتجربة دار «سطور للنشر»؛ إذ بلغت تكلفة طباعة 155 نسخة من أحد إصدارات عام 2025 نحو 5,650 ريالاً، في حين بلغت الإيرادات 6,773 ريالاً، أي بفارق لا يتجاوز 1,123 ريالاً، وذلك قبل احتساب المصروفات الإدارية والتسويقية والتشغيلية. ويرى أن هذه الأرقام تكشف أن ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة تحقيق ربح حقيقي، إذ قد تستهلك دورة إنتاج الكتاب معظم عائده قبل وصوله إلى المؤلف أو الناشر.
وبرأيه، تفسر هذه المعادلة توجه دور النشر الصغيرة إلى تقليص حجم الطبعات واللجوء إلى الطباعة وفق حركة الطلب، بدلاً من تكديس مئات أو آلاف النسخ في المستودعات، وهو ما يحافظ على السيولة ويحد من تجميد رأس المال في مخزون بطيء الحركة.
عمولات التوزيع والمعارض والشحن.. تحديات تلتهم العائد
ولا تتوقف الضغوط عند مرحلة الإنتاج، فقنوات البيع والتوزيع تستحوذ على جزء كبير من قيمة الكتاب؛ إذ تصل عمولة بعض المكتبات ونقاط البيع، وفق تجربة بلو، إلى نحو 50% من سعر النسخة. وبعد اقتطاع هذه النسبة وتقاسم العائد المتبقي بين الناشر والمؤلف، يصبح الهامش الاقتصادي محدوداً، وقد تنشأ فجوة بين السعر الذي يراه القارئ على الغلاف والعائد الفعلي الذي يصل إلى أطراف صناعة النشر.
ويضيف أن المشاركة في معارض الكتب، رغم قيمتها الثقافية والترويجية، ليست بالضرورة مجدية اقتصادياً لكل دور النشر، ولا سيما الصغيرة منها. ويضرب مثالاً بمشاركة بلغت تكلفتها نحو 10 آلاف ريال، تشمل الاشتراك والسفر والشحن وتوفير موظف للمبيعات، فيما لم تتجاوز إيرادات المبيعات 10% من إجمالي التكلفة.
وفي المقابل، يرى بلو أن البيع المباشر عبر المتاجر الإلكترونية قد يمنح الناشر هامشاً اقتصادياً أفضل في بعض الحالات، نظراً لانخفاض تكاليف تشغيل المنصة مقارنة ببعض قنوات البيع التقليدية؛ لكن هذه الطريقة تنقل مسؤولية التسويق إلى الناشر، الذي يواجه تكلفة متصاعدة للوصول إلى الجمهور وسط منافسة رقمية متزايدة.
ويبرز الشحن بوصفه تحدياً آخر أمام التجارة الإلكترونية للكتب؛ إذ قد تصل تكلفة شحن الكتاب الواحد إلى 25 ريالاً، وهو مبلغ قد يقترب من سعر الكتاب أو يتجاوزه في بعض الإصدارات. ولاحظ بلو أن بعض العملاء يتراجعون عن إتمام الشراء بعد إضافة هذه التكلفة إلى قيمة الطلب.
مقترحات بلو.. تمويل ميسر وتوزيع أوسع وتحول رقمي
بناءً على هذه المعطيات، يدعو بلو إلى التعامل مع النشر الثقافي بوصفه صناعة فكرية وقطاعاً من قطاعات الاقتصاد الإبداعي، وليس نشاطاً تجارياً تقليدياً يمكن قياس جدواه بمؤشرات البيع المباشر وحدها. ويؤكد الحاجة إلى أدوات تمويل أكثر ملاءمة لطبيعة دور النشر الصغيرة.
ويطالب في هذا السياق بتوفير تمويل ميسر لدور النشر، سواء عبر صندوق التنمية الثقافي أو القطاع المصرفي، إضافة إلى زيادة الجوائز والمسابقات وتنويع مستوياتها، بما يحفز التأليف ويخلق حركة اقتصادية أوسع حول الكتاب.
كما يرى أهمية إعادة النظر في خريطة توزيع الكتاب، وعدم حصره في المكتبات التقليدية، بل إتاحته في المقاهي والأسواق والمتاجر وغيرها من الأماكن التي يرتادها الجمهور؛ لأن توسيع منافذ البيع يخلق منافسة أكبر ويمنح الناشر خيارات متعددة للوصول إلى القارئ، وقد يسهم في خفض العمولات المرتفعة.
ويضع بلو التحول الرقمي ضمن الحلول التي يمكن أن تعيد تشكيل اقتصاديات النشر، خصوصاً من خلال تطوير منصات منخفضة التكلفة تساعد دور النشر الصغيرة على تحويل إصداراتها الورقية إلى كتب إلكترونية وصوتية، وتسويقها وبيعها داخل المملكة وخارجها، بما يوسع قاعدة المستهلكين ويقلل من بعض تكاليف التوزيع التقليدي.
بلو.. مسيرة كاتب تحدى الإعاقة وخدمة التوثيق الثقافي
وتأتي هذه الرؤية من تجربة شخصية ومهنية امتدت بين التأليف والنشر والعمل الثقافي؛ فبلو المولود في جدة عام 1962م بدأ مسيرته العملية في الخطوط الجوية العربية السعودية، حيث أمضى 13 عاماً في مجالي الخدمة الجوية والتدريب، قبل أن يتقاعد مبكراً عام 1990م بعد فقدانه البصر تدريجياً نتيجة مرض وراثي نادر في شبكية العين. وحوّل تجربته الإنسانية إلى مسار ثقافي، مؤلفاً عدداً من الكتب، من بينها «حصاد الظلام» الصادر عام 2002م، إلى جانب مشروع «رحلتي عبر السنين»، الذي يرصد من خلال تجربته الشخصية تحولات اجتماعية ومهنية في المجتمع السعودي.
كما يعمل بلو وكيلاً أدبياً مرخصاً، ما يجعله على تماس مباشر مع العلاقة الاقتصادية بين المؤلف والناشر؛ فضلاً عن اهتمامه بتوثيق سيرة الأديب السعودي الراحل طاهر زمخشري، ومواصلة مشروعه التوثيقي والثقافي عبر إصدارات جديدة، منها الجزء الثالث من «رحلتي عبر السنين» بعنوان «على عتبة الحلم»، الذي صدر في أغسطس 2026م.
ويخلص بلو إلى أن مستقبل صناعة الكتاب لا يتوقف على زيادة عدد العناوين أو النسخ المطبوعة، بل على قدرة المنظومة كاملة على تحقيق معادلة اقتصادية عادلة؛ بحيث يحصل القارئ على كتاب جيد بسعر مقبول، والمؤلف على عائد يتناسب مع جهده وحقوقه، والناشر على هامش اقتصادي يسمح له بالاستمرار والاستثمار في إنتاج جديد.
وهكذا، تبدو قضية الكتاب السعودي أبعد من سؤال المبيعات؛ إنها في جوهرها سؤال عن كيفية بناء سوق ثقافي قادر على الاستمرار، وتحويل الكتاب من منتج محدود الهامش إلى مكوّن فاعل في الاقتصاد الإبداعي، يستفيد من التمويل، والتحول الرقمي، وتنوع قنوات البيع، ونمو قاعدة القراء.





