الخنق الاقتصادي يضيّق على طهران.. هل ترفع الراية البيضاء؟

20/08/2026 05:00

لم تعد واشنطن تعتمد على المواجهة العسكرية وحدها في التعامل مع إيران، بل باتت توظف الاقتصاد وسوق العمل ضمن أدوات ضغط موسعة، سعياً إلى حمل طهران على تقديم تنازلات في ملفات كانت تعتبرها في السابق خارج أي تفاوض.

ومع الحديث عن حصار شامل يستهدف الموانئ وتلويح بتدمير الاقتصاد، تتفاقم الأعباء داخلياً؛ فالمعطيات المتداولة تشير إلى خسائر يومية بنحو 500 مليون دولار جراء الحصار البحري، وفقدان 3 ملايين إيراني وظائفهم، في حين يواجه 10 ملايين آخرين خطر فقدان العمل، إلى جانب دخول 4 ملايين إضافيين دائرة الفقر هذا العام، ووصول نسبة المعرضين لخطر الفقر إلى 70 بالمئة.

كما أعلنت 120 شركة إفلاسها منذ بداية الحرب، وأغلقت نحو 4000 منشأة صناعية، فيما تتعرض ستة بنوك لخطر الإفلاس، وسط أزمة وقود وانهيار متسارع للعملة بعدما تجاوز سعر الدولار مليوني ريال إيراني.

وهنا يطرح السؤال الأكثر حساسية: هل يتحول تآكل الوظائف والدخل إلى ضغط سياسي حقيقي على النظام في طهران؟

الخنق الاقتصادي يستهدف قدرة إيران على الصمود

يقول مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية نبيل العتوم إن الاستراتيجية الأميركية تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية، أولها الانتظار والاستنزاف؛ إذ تُترك الضغوط الاقتصادية والمالية تتراكم على إيران إلى أن تصبح كلفة عدم التوصل إلى اتفاق أعلى من كلفة تقديم التنازلات.

أما المسار الثاني فيتمثل في الخنق الاقتصادي عبر تشديد القيود على النفط والموانئ والأموال المجمدة، وعدم رفع العقوبات، وفرض مزيد من القيود على التجارة الخارجية، بهدف تقليص قدرة الدولة على تمويل الحرب وإعادة بناء قدراتها العسكرية. لكن العتوم يرى أن إحداث تحول داخلي يتطلب توسيع هذه الضغوط لتشمل عقوبات على البنوك الصينية، ومحال ومكاتب الصرافة التي تستفيد منها طهران، إضافة إلى اقتصاد الظل الرقمي الذي تلجأ إليه إيران، ومنه العملات المشفرة.

ويضيف أن هذا المسار يعني أن الضغط لا يستهدف مؤشرات الاقتصاد فحسب، بل يمتد إلى قدرة الدولة على إدارة مواردها، وبالتالي إلى القطاعات التي توفر فرص العمل والدخل.

سوق العمل في قلب الضغط على الداخل الإيراني

ويضع العتوم هذه الضغوط في سياق داخلي شديد الحساسية، مشيراً إلى أن عدد الإيرانيين تحت خط الفقر قبل الحرب كان 40 مليوناً، ثم ارتفع بأكثر من 5 إلى 6 ملايين. كما يلفت إلى أن 23 مليون إيراني لا يستطيعون تأمين السلع والمواد الأساسية، بزيادة تقدر بنحو 5 ملايين.

وعلى الصعيد الاجتماعي والمالي، يتحدث عن إفلاس سبعة صناديق تقاعدية، وصعوبة دفع الرواتب من مجموعة تضم تسعة صناديق أساسية، في وقت تشهد فيه العملة الوطنية انهياراً ويستهدف قطاع البتروكيماويات.

ويحظى هذا القطاع بأهمية مباشرة في ملف الوظائف؛ إذ يعمل فيه نحو 4 ملايين إيراني، ويمثل 40 بالمئة من الاقتصاد خارج القطاع النفطي. وتضرره، وفق العتوم، سيكون له انعكاسات واسعة، خصوصاً في المحافظات الساحلية التي قد تشهد تظاهرات قبل انتقال الاحتجاجات إلى المراكز والمدن الكبرى.

واشنطن تراهن على تآكل الاقتصاد والقدرات العسكرية

لا يعتقد العتوم أن الولايات المتحدة مضطرة لاختيار أداة واحدة، إذ يصف المراحل الحالية بأنها تقوم على “تكامل الأدوات”. فترامب قادر على الانتظار الاقتصادي، واللجوء إلى ضربات عسكرية عند الحاجة، والتفاوض في الوقت نفسه، مع رهان واضح على الداخل الإيراني.

ويعتبر العتوم أن الضغط على الداخل هو أخطر عناصر هذه الاستراتيجية بالنسبة إلى النظام الإيراني، خاصة مع ضغط عسكري متدرج يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية وإقناع طهران بأن المماطلة ستكلفها مزيداً من أدوات الردع.

ويرى أن الهدف الأميركي الأساسي هو دفع إيران إلى الاختيار بين اتفاق بشروط أكثر صراحة وبين استمرار التآكل الاقتصادي والعسكري، مع محاولة التأثير في الوضع الداخلي.

الصين وهرمز وطهران.. حدود الخنق والالتفاف

وبخصوص الصين، يرى العتوم أن طهران تحاول استثمار الورقة الصينية، بينما تسعى بكين إلى توظيف الورقة الإيرانية لخدمة مصالحها. فالصين تستفيد من شراء النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، وتحاول مقايضة هذا الملف بملف تايوان، إضافة إلى الضغط على الولايات المتحدة بشأن العقوبات الاقتصادية والتجارية.

لكنه يلفت إلى أن الصين لم تبذل حتى الآن جهوداً حقيقية للحد من التهديد، بل تستفيد من التوتر إلى حد معين، شرط ألا يتعارض مع مصالحها، لا سيما في ما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز والبيئة الصراعية التي أوجدتها إيران في المنطقة.

من جهة أخرى، لا يعتقد العتوم أن الخنق البحري سيحقق النتائج المرجوة، بالنظر إلى اتساع إيران الجغرافي وطول حدودها البالغ 5437 كيلومتراً، واشتراكها بحدود مع سبع دول، وإشرافها على الخليج العربي وبحر قزوين، ومساحتها البالغة 1,648,195 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 1.7 بالمئة من مساحة العالم ونحو 13-14 بالمئة من مساحة الدول العربية. كما يشير إلى خبرة إيران في الالتفاف على العقوبات والبحث عن شرايين جديدة عبر الموانئ الباكستانية وبحر قزوين والمسارات البرية والسكك الحديدية، معتبراً أن الحصار “لن يؤتي أكله بالشكل المطلوب”.

وفي المقابل، يبقى مضيق هرمز ورقة اقتصادية مضادة في يد طهران؛ إذ تراهن على أن خنقها قد يرتد على الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار النفط، بما يولد ضغوطاً على ترامب. في المقابل، تراهن واشنطن على انهيار إيرادات النفط والعملة الوطنية واستمرار الخنق الاقتصادي، مع استهداف صادرات النفط والناقلات العائمة التي تحمل نحو 63 مليون برميل.

ويشير العتوم إلى أن الجانب الإيراني يعتمد ثلاث استراتيجيات أساسية، أولها إعطاء الأولوية لبقاء النظام عبر إعادة ترتيب الاقتصاد بحيث تذهب الموارد المحدودة أولاً إلى الغذاء والطاقة والمؤسسات الحيوية، فيما تتحمل الأسر والقطاع الخاص جزءاً أكبر من التضخم والانكماش.

أما الثانية فهي التقشف القسري، عبر تقليص الاستثمارات، وإعطاء الأولوية للواردات الأساسية، وترشيد الصناعة، وإدارة الاقتصاد بما يسمح بالاستمرار عند أدنى مستوى ممكن، لا بناء اقتصاد قادر على النمو.

وتتمثل الثالثة في تحميل المجتمع كلفة الصمود، وهي الأخطر في تقديره، في ظل ارتفاع التضخم وانهيار العملة وتراجع القوة الشرائية. وقد يظل النظام المالي والأمني قائماً، لكن حياة الناس تصبح أكثر صعوبة.

ويحدد العتوم جوهر الاستراتيجية الأميركية في الوصول بإيران إلى نقطة تصبح فيها كلفة رفض الاتفاق أكبر من كلفة تقديم التنازلات. ويحذر من أن النظام الإيراني، الذي يمارس “البلطجة والقرصنة” في هرمز ويهدد بالاعتداء على دول أوروبا وبلغاريا، قد يلجأ إلى “الورقة الانتحارية” عندما لا يبقى لديه ما يخسره، سعياً إلى ابتزاز العالم وانتزاع تنازلات تشمل رفعاً تدريجياً للعقوبات والإفراج عن أرصدة مجمدة وتأجيل الملف النووي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *