قال الخبير في مجال الطاقة الحسين اليمني إن الخيارات التي تملكها أوروبا للتعامل مع أزمة الطاقة محدودة، وأنها لم تحسن حساباتها في إدارة الأزمة مع روسيا، ما جعلها تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الروسية التي كانت توفر لها وضعًا مريحًا نسبيًا لتأمين احتياجاتها الطاقية.
خيارات أوروبا المحدودة وتحذيرات الخبير
وأوضح اليمني أن أوروبا كانت أمام خيار معين لتفادي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، خصوصًا أن روسيا تعد من الدول الأساسية في إمدادات النفط والغاز، وأن الاعتماد الكبير على مصادر طاقة تسيطر عليها دول أخرى أصبح نقطة ضعف استراتيجية. وأضاف أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا في مواجهة روسيا أدى إلى تداعيات اقتصادية وطاقية كبيرة على الكتلة الأوروبية، معتبرًا أن إدارة أوروبا لعلاقتها مع روسيا في ظل الأزمة الأوكرانية كانت فاشلة، وأن عليها التفكير في إعادة بناء علاقاتها مع روسيا والعمل على إيجاد حل للخلاف بشأن الحرب في أوكرانيا في ظل ضبابية مستقبل الطاقة دوليا.
وأكد أن العالم دخل مرحلة جديدة في النظام الدولي للطاقة، وأصبحت مسألة أمن الطاقة جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي والجيوسياسي للدول، وأن الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة التي تسيطر عليها دول أخرى يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية.
تأثيرات الأزمة على الاقتصاد والمجتمع الأوروبي
وأشار الخبير إلى أن أزمة الطاقة انعكست سلبًا على اقتصادات أوروبا، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي في القارة، وأن الأزمة تجمع بين ارتفاع الإنفاق العسكري من جهة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة من جهة أخرى، ما ينعكس على المواطنين الأوروبيين ويؤدي إلى مظاهرات واحتجاجات اجتماعية.
ولفت إلى أن عدة دول أوروبية أبرزها فرنسا وإيطاليا والبرتغال تشهد موجة احتجاجات تتداخل فيها الضغوط المعيشية مع أزمات السكن والتعليم وخفض الإنفاق العام، ما يعكس تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على شرائح واسعة من السكان. وأشار إلى أن السبت شهد فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا احتجاجات متفاوتة الحجم، كان ارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز دوافع بعضها، إلى جانب أزمة السكن والسياسات التعليمية والاعتراض على تخفيضات الميزانية والإنفاق العام.
وفي فرنسا، شارك نحو 550 ألف شخص في احتجاجات وفق وزارة الداخلية، بينما قدّر المنظمون عدد المشاركين بنحو 800 ألف، وسط مطالب تتعلق بمكافحة عدم المساواة ورفض خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة. كما تظاهر عشرات الآلاف في العاصمة البرتغالية لشبونة احتجاجًا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن، فيما شهدت إيطاليا احتجاجات مماثلة على غلاء المعيشة، في مؤشر على اتساع نطاق الضغوط الاجتماعية بالتزامن مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة.
وأضاف اليمني أن ربما تؤدي أزمة روسيا وأوكرانيا إلى سقوط حكومات في عدد من الدول الأوروبية، وربما تمتد تداعياتها إلى دول خارج أوروبا أيضًا.
تطورات دولية تزيد من تعقيد الإمدادات
وبيّن أن حرب أوكرانيا وإيران تزيدان تعقيد أزمة الطاقة في أوروبا، وأن صدمة النفط التي تضرب الدول الأوروبية تواصلت بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل، وتعثر بدائل الاستغناء عن النفط الروسي، بالتزامن مع اضطراب إمدادات النفط نتيجة الحرب الأمريكية على إيران.
وأشار إلى أن قادة مجموعة السبع أعلنوا في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي الاتفاق على إفراج منسق عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية، يبدأ فورًا ويمتد أربعة أشهر، مع تقديم كميات كبيرة من الديزل خلال أول 20 يومًا، بينما خطوة سابقة بسحب 400 مليون برميل في مارس/ آذار الماضي لم تنجح في خفض الأسعار.
ولفت إلى أن أسعار النفط عالميًا تشهد تقلبات شديدة وسط اضطراب الإمدادات واستهداف بعض الناقلات في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات إمدادات الطاقة والسلع عالميًا، وأن إيران منذ أبريل/ نيسان الماضي تفرض قيودًا على حركة الملاحة في المضيق تشمل تحديد مسارات بديلة للعبور واشتراط الحصول على إذن مسبق من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وسط حوادث استهداف لسفن تجارية.
وأوضح أن ما زاد من تعقيد الوضع هو ما يحدث في الخليج، الذي كان يمثل نوعًا من المتنفس في السابق، لكن التطورات الحالية جعلت هذا المجال نفسه أكثر تعقيدًا، وتتفاقم المخاطر مع تكثيف جماعة الحوثي اليمنية هجماتها بالصواريخ والمسيّرات ضد مراكز طاقة وخطوط نقل نفط بالسعودية، ما حوّل الخليج من منفذ بديل للنفط الروسي إلى بؤرة اضطراب تضاعف أزمة الإمدادات والضغوط الاقتصادية على أوروبا.
وأفاد بأن أسعار الغاز في أوروبا قفزت قبل يومين إلى 96.3 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة، مسجلة أعلى مستوى منذ ديسمبر/ كانون الأول 2022، وسط استمرار التوتر في مضيق هرمز ومخاوف بشأن انخفاض مستويات التخزين في القارة.
وبحسب بيانات معهد الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، يعتمد الاتحاد الأوروبي على الخارج لتغطية 96 بالمئة من احتياجاته النفطية و85 بالمئة من الغاز، وتبلغ مخزونات الغاز في دول الاتحاد الأوروبي نحو 71.5 بالمئة حتى أكتوبر الجاري، مقابل متوسط موسمي يقدر بنحو 92 بالمئة، وفق منظمة البنية التحتية للغاز في أوروبا (خاصة).
وأضاف أن واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة شكلت نحو 57 بالمئة من إجمالي الإمدادات، عقب تراجع الإمدادات القادمة من دول الخليج إثر اندلاع الحرب على إيران، وأن الأزمة تتعمق مع زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
وختم اليمني بالقول إن أمن الطاقة أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي والجيوسياسي للدول، وأن الحروب والصراعات، سواء الحرب الروسية الأوكرانية أو الحرب الأمريكية على إيران، تتسم باستهداف قطاع الطاقة الذي أصبح جزءًا من أدوات الصراع، وأن في الحرب الروسية الأوكرانية لم يقتصر الأمر على استهداف مواقع عسكرية، بل طالت الهجمات أيضًا مصافي تكرير النفط والمنشآت المرتبطة بالطاقة، فيما أصبحت المنشآت النفطية والبنية التحتية للطاقة في الخليج أهدافًا محتملة في أي تصعيد عسكري.






