محمد سبيلا: دفاعٌ عن الحداثة ونقدٌ متوازن لها

19/06/2026 07:00

تشكلت مسيرة الفكر الإصلاحي في العالم العربي من سلسلة من النصوص التي سعت إلى إبعاد المجتمعات العربية عن ما وصفته بـ«شرنقة التأخر التاريخي». كل مشروع فكري اعتمد على منهجية معينة وشبكة مفاهيمية محددة، ما أدى إلى تنوع وتباين في الأفكار والرؤى داخل الفكر العربي المعاصر. فقد ظهر تيار يلتزم بالإصلاح عبر تمسكه بإرث الأسلاف وصون أمجادهم، بينما سعى تيار آخر إلى النهضة عبر الانفصال عن التراث من جانبيه المادي والقيّمي. وفي المقابل، استقبل تيار ثالث الحداثة الغربية، مستلهمًا منها ما يمكن أن يساعد على تخطي أزمات الحضارة العربية.

المفهوم المغربي للحداثة لدى محمد سبيلا

ينتمي المفكر المغربي محمد سبيلا (1942‑2021) إلى الجيل الثالث من المفكرين العرب الذين عكفوا على بناء مشروع إصلاحي يرتكز على الحداثة، باعتبارها منظومة فكرية تشكلت على مدى قرون في أوروبا. يبرز في تحليله ثلاث ثورات أساسية: ثورة علمية بفضل اكتشافات كوبرنيكوس وغاليليو التي هزت الفهم البطليمي للكون؛ ثورة اقتصادية وسياسية أدت إلى صعود الليبرالية وتفكيك النظام الإقطاعي؛ وثورة ثقافية وجغرافية وإصلاح ديني سادت خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر.

العلاقة المتشابكة بين الحداثة والتراث

على الرغم من تمسك سبيلا بالحداثة التي ارتبطت بأوروبا، إلا أنه لم يجرّب قط قطع الصلة بالتراث، معتبرًا أن التراث «يسكننا ويسكن مخيلتنا ولغتنا وهمومنا ووجداننا». ويرى أن أي نهضة أو حركة لا يمكن أن تتجاوز التراث، لكنه في الوقت ذاته لم يمنح التراث قدرة على تشكيل الحداثة أو توجيه العرب إلى نهضة أسهل. وفقًا لسبيلا، فإن الحداثة تحمل طابعًا معرفيًا أوروبيًا لا يمكن نقله إلى مسار مختلف غير مرتبط بهذه البيئة.

يتجلى هذا التناقض في كتاباته؛ ففي أحيان يثني فيها على الحداثة الأوروبية وثوراتها، وفي أحيان أخرى ينتقد نتائجها ويُظهر حذرًا من تبنيها دون نقد.

نظريتان للحداثة في فكر سبيلا

يفرق سبيلا بين مفهومين للحداثة: الأول تاريخي، يُشير إلى التحولات التقنية والتنظيمية والفكرية التي شهدتها أوروبا منذ القرن التاسع عشر، بدءًا من الثورة الصناعية التي لم تكن لتتحقق لولا العلم الحديث، والليبرالية التي أنهت النظام الإقطاعي وأفرجت عن الفكر الغيبي، لتفتح باب الحرية والاستقلالية. أما الثاني فلاسفيًا، فهو مجموعة القيم والمعايير المستمدة من تلك التحولات، التي أطلقت رؤية جديدة للطبيعة والتاريخ والمجتمع، مما مكن الأمم الأوروبية من السعي نحو التقدم والابتعاد عن «التخلف» الذي يعيّن الدول النامية.

يستنتج سبيلا من تحليله وجود عدة أشكال للحداثة: «الحداثة التقنية» التي تركز على ابتكار واستخدام التقنيات؛ «الحداثة الاقتصادية» التي تجسد نموذج سوق حديث ينتقل من الإنتاج اليدوي المحدود إلى الإنتاج الآلي؛ و«الحداثة الاجتماعية» التي تحول العلاقات القبلية إلى علاقات مبنية على المصلحة العامة والمنفعة المتبادلة، مع تمكين الفرد من تحديد موقعه الاجتماعي بعيدًا عن العرف أو الأصل.

إسهامات سبيلا في الفلسفة المغربية والعربية

ترك سبيلا بصمة واسعة في الساحة الفكرية المغربية، أبرزها تعريف القارئ بالمفكرين الغربيين المعاصرين من خلال ترجمات دقيقة ومدروسة بالتعاون مع عبدالسلام بن عبد العالي. وقد وفّرا هذه الترجمات للقراء العرب بلغة واضحة وميسرة، ما أسهم في إغناء المكتبة المغربية. من بين الباحثين الذين أشرف عليهم د. محمد الشيخ، الذي تناول نقد الحداثة لدى نيتشه وهايدغر، وألف مؤلفًا حول «فلسفة الحداثة في فكر هيغل». كما أبدع د. عادل حدجامي في تفكيك فكر جيل دولوز، وحصل عمله «فلسفة جيل دولوز: عن الوجود والاختلاف» على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2013. وأخيرًا، كان د. عبدالعلي معزوز من أبرز المختصين في الجماليات والسينما ومدرسة فرانكفورت، حيث نشر رسالته في كتاب «جماليات الحداثة: أدورنو ومدرسة فرانكفورت» عام 2011.

ساهمت جهود سبيلا في إنطلاق مجلتين مهمتين: «المشروع» و«مدارات فلسفية». ومن أبرز الأعمال التي جمعت رؤى سبيلا هو الكتاب الجماعي «في أفق الحداثة: قراءات في أعمال محمد سبيلا»، الصادر عن جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء عام 2013، ويضم 220 صفحة من الدراسات النقدية. إضافة إلى رسالتي ماجستير نوقشتا في جامعتي قاصدي مرباح (رقلة) والحسن الثاني عام 2022، بعنواني «تأسيس الحداثة عند محمد سبيلا» و«الشرط السياسي في فكر محمد سبيلا». كما ظهرت مقالاته في دوريات محكمة، منها المساهمة في الكتاب «الفكر المغربي المعاصر: في الفلسفة، الدين، المجتمع، والثقافة» الصادر بالإنجليزية عن دار بريل الهولندية عام 2024، تحت إشراف محمد حصحاص.

من أبرز مؤلفاته «الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية»، «زمن العولمة» و«في تحولات المجتمع المغربي». شغل سبيلا مناصب أكاديمية وبيداغوجية في جامعتي فاس والرباط لأكثر من ثلاثة عقود، وتولى رئاسة الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بين عامي 1994 و2006. كما عمل أستاذًا في التعليم الثانوي قبل أن ينتقل إلى التدريس الجامعي.

توفي محمد سبيلا في صيف عام 2021. وفي نفس العام، نشرت دار الفاصلة في طنجة حوارًا مع سبيلا بعنوان «ذاكرة عبور»، أجرىه الإعلامي رشيد عفيف، وقد قدّمه المفكر عبدالإله بلقزيز بمقدمة شاملة تستعرض مسيرة سبيلا في مجالات الماركسية، التحليل النفسي (فرويد، إريك فروم، داريوش شايغان)، البنيوية، والإيديولوجيا، مشيرة إلى أن هذه المباحث تمثل «ملامح نظرية تحديثية» تعكس «إرهاصات الاهتمام بالمعطيات الفكرية الحديثة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *