إعادة إحياء أراضي الخث في كارولاينا الشمالية: معركة ضد الحرائق والكربون

16/09/2026 09:01

تحت سطح نباتي هادئ في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، تختفي طبقات من الخث تراكمت عبر آلاف السنين، حاوية على كميات هائلة من الكربون. إلا أن شبكة من القنوات التي حُفرت لتجفيف الأرض حولت هذه الطبقات الرطبة إلى مادة قابلة للاشتعال، قادرة على الاحتراق تحت الأرض لأسابيع أو أشهر.

في منطقة “إنر بانكس” قرب بلدة بيلهافن، يشارك علماء ومستثمرون في جهود إعادة ترطيب مساحة من أراضي الخث تبلغ نحو 23 ميلاً مربعاً (نحو 60 كيلومتراً مربعاً)، بهدف تقليل خطر الحرائق والانبعاثات الكربونية واستعادة موائل الحياة البرية.

يقوم المشروع على فكرة تبدو بسيطة: إعادة المياه إلى أرض سُحبت منها قبل عقود. لكن خلف هذه الخطوة تكمن معركة مناخية وبيئية تتجاوز حدود كارولاينا الشمالية.

عندما يتحول الخث إلى وقود

الخث هو تربة إسفنجية غنية بالمواد العضوية، تتكون عندما تتحلل النباتات ببطء في بيئة مشبعة بالماء وفقيرة بالأكسجين. في حالته الطبيعية، يحتفظ الخث بالكربون داخل الأرض لآلاف السنين.

على الرغم من أن أراضي الخث تغطي حوالي 3% فقط من مساحة اليابسة عالمياً، إلا أنها تخزن نحو ثلث الكربون الموجود في تربة العالم، وفقاً لبيانات وكالة “أسوشيتد برس”.

لكن تجفيف هذه الأراضي يسمح بدخول الأكسجين إلى طبقاتها، مما يسرع تحلل المواد العضوية وإطلاق ثاني أكسيد الكربون. كما يجعل الخث الجاف قابلاً للاشتعال، وقد تمتد النيران في طبقاته العميقة بعيداً عن الأنظار.

تؤكد منظمة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن أراضي الخث الرطبة أقل عرضة للحرائق، بينما يؤدي تجفيفها إلى زيادة الانبعاثات وفقدان التنوع الحيوي وتراجع قدرتها على تخزين المياه.

80 كيلومتراً من قنوات التجفيف

بحسب تقرير لوكالة “أسوشيتد برس”، حُفرت قبل عقود قنوات بطول نحو 80 كيلومتراً ضمن مشروع زراعي لم يكتمل، مما أدى إلى خفض مستوى المياه وتجفيف أجزاء واسعة من الموقع.

يصل عمق الخث في بعض أجزاء الأرض إلى نحو 5 أمتار، وتتسبب المنطقة حالياً في إطلاق ما يقدر بنحو 130 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

تعتزم شركة “بانثيون ريجينيريشن”، التي تقود المشروع، إغلاق قنوات التصريف والتحكم في مستوى المياه، ثم إزالة الأنواع النباتية الدخيلة وإعادة زراعة الأعشاب والزهور والنباتات المحلية.

لا تعني إعادة الترطيب إغراق المنطقة بالكامل، بل رفع منسوب المياه داخل التربة للحفاظ على رطوبة الخث وإبطاء تحلله وتقليل قابليته للاشتعال.

حرائق تستمر أشهراً

تكشف الحرائق السابقة خطورة ترك الخث يجف. ففي عام 2008، اشتعل حريق خلال موجة جفاف واستمر 3 أشهر فوق الأرض، ثم ظل يتأجج 4 أشهر أخرى داخل طبقات الخث، ملحقاً أضراراً بأكثر من ربع محمية “بوكوسين ليكس” الوطنية للحياة البرية.

أظهرت التجربة أن النيران كانت أقل عمقاً في المناطق التي بدأت فيها استعادة مستويات المياه. أما عندما يجف الخث، فقد تلتهم الحرائق أمتاراً من التربة، مطلقة كميات هائلة من الكربون القديم الذي يصعب تعويضه ضمن عمر الإنسان.

الكربون يمول الإنقاذ

يخطط القائمون على المشروع لبيع أرصدة كربونية إلى شركات تسعى لتعويض جزء من انبعاثاتها، واستخدام العائدات في شراء أراضٍ إضافية واستعادة ما يصل إلى مليون فدان من الخث، من فرجينيا إلى شمال فلوريدا، خلال 10 سنوات.

لكن أرصدة الكربون تظل موضع جدل، بسبب مشروعات سابقة بالغت في تقدير الانبعاثات التي منعتها. ولذلك تتوقف مصداقية التجربة على دقة القياس واستمرار حماية الأراضي.

لا يقتصر العائد المحتمل على الكربون والحرائق؛ فاستعادة الخث تعيد موائل الطيور المهاجرة والنباتات المحلية والذئاب الحمراء، وتساعد على تخزين المياه والحد من الفيضانات. وهكذا يصبح الماء، بإعادته إلى التربة، خط الدفاع الأول ضد نار قد تظل مشتعلة تحت الأرض لشهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *