الزاوية الليبية في قبضة هجمات مسيّرة متواصلة ومساعٍ حكومية لكشف الفاعلين

13/08/2026 13:02

منذ نحو أسبوع تشهد مدينة الزاوية غربي ليبيا حالة من التوتر والقلق إثر تعرض منشآت حيوية لهجمات شبه يومية بطائرات مسيّرة مجهولة الهوية، ما أثار مخاوف واسعة حول استقرار المدينة على الصعد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

هجمات متلاحقة على مصفاة نفط ومحطات خدمات

ابتداءً من السبت، استهدفت مسيّرات معدة للتفجير منشآت حيوية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غربي العاصمة طرابلس، بينها خزانات نفطية ومحطات لتحلية المياه وتوليد الكهرباء، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، وفتحت السلطات تحقيقات للوصول إلى مصدر هذه الطائرات والجهات التي خططت ونفذت الهجمات.

في الثامن من أغسطس الجاري، بدأت الهجمات باستهداف الخزان “1-7” في مصفاة الزاوية، وهي أكبر مصفاة نفطية في ليبيا، والمخصص لتخزين النافتا (نوع من الوقود)، ما تسبب بأضرار جسيمة وثقبين أديا إلى تسرب جزء من المخزون دون اندلاع حريق.

وفي اليوم التالي، الأحد، تعرضت محطة تحلية المياه في الزاوية، المزود الرئيسي للمدينة بمياه الشرب، لهجوم بمسيّرة. ثم جاء الاثنين ليشهد ثالث اعتداء، حيث استهدف خزان “402-T” التابع لشركة البريقة والمخصص لبنزين السيارات، ما أدى إلى حريق كبير وانهيار الخزان بالكامل، واستغرق إخماد النيران أكثر من يومين.

وزاد من خطورة الأمر أن الخزان المستهدف كان يحوي نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين، ما أثار مخاوف من امتداد الأضرار إلى منشآت نفطية مجاورة والمناطق المحيطة.

وتكرر المشهد الثلاثاء في مجمع الزاوية النفطي، حيث استهدف مصنع خلط وتعبئة الزيوت بمسيّرة سقطت قرب خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب، كما استهدف مجمع آخر طال خزانات الوقود، إذ أصابت مسيّرة سقف خزان الديزل رقم “4/4″، ما أدى إلى اختراقه واندلاع حريق تمكنت فرق الطوارئ من احتوائه سريعاً. وفي اليوم نفسه، تعرض خزان الديزل “2/4” للاستهداف أيضاً، فاندلع حريق آخر أخمدته فرق الإطفاء.

وامتدت الهجمات الثلاثاء إلى خارج أسوار المجمع النفطي، إذ تعرضت محطة الكهرباء الرئيسية في منطقة الحرشة لهجوم بمسيّرة، بينما سقطت مسيّرة أخرى قرب خزان الوقود الرئيسي المغذي للمحطة. وفي الأربعاء، استهدفت مسيّرة محطة كهرباء ثانية، ما أدى إلى انفجارها واحتراقها وخروجها تماماً عن الخدمة، وانقطاع الكهرباء عن معظم أحياء المدينة.

أهمية استراتيجية وتحرك حكومي عاجل

تتمتع الزاوية بموقع استراتيجي واقتصادي مهم على الساحل الليبي، إذ تضم مصفاة الزاوية ومنشآت نفطية أخرى. لذلك، فإن أي توتر أمني فيها ينعكس مباشرة على حركة النقل وإمدادات الوقود والطاقة في مناطق واسعة غربي ليبيا، إضافةً إلى ارتباط منشآتها بصادرات البلاد إلى الخارج.

وعلى خلفية هذه التطورات، عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة الاثنين اجتماعاً موسعاً مع قيادات أمنية وعسكرية، حضره وزير الداخلية عماد الطرابلسي، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان العامة صلاح الدين النمروش، ومدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وآمر اللواء 444 قتال محمود حمزة، ورئيس جهاز الأمن العام عبد الله الطرابلسي.

وأكد الدبيبة خلال الاجتماع “ضرورة التعامل بحزم مع أي تعديات أو أعمال من شأنها تهديد الأمن أو المساس بالمنشآت والمرافق الحيوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهها”، كما شدد على “أهمية رفع مستوى التنسيق والجاهزية بين مختلف الأجهزة”.

في غضون ذلك، لوحت المؤسسة الوطنية للنفط بإعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف العمل كلياً في مجمع الزاوية النفطي إذا استمرت الاعتداءات عليه، في خطوة تهدف إلى الضغط لتوفير الحماية للمنشأة. ويشار إلى أن “القوة القاهرة” هي مادة تعاقدية تسمح للمورد بإعفاء نفسه من الالتزامات التعاقدية دون غرامات، في حال وقوع أحداث خارجة عن سيطرته مثل الهجمات.

وعاد الدبيبة الثلاثاء إلى التعليق على الأحداث، وقال في بيان إنه “سيتم الوصول إلى المسؤولين عن الاعتداءات المتكررة على المنشآت النفطية بالطائرات المسيّرة”، مضيفاً أن الجهات المختصة باشرت تحقيقاتها لتحديد مصدر المسيّرات وكشف من خطط وأمر ونفذ وشارك في الاستهداف. ووصف استهداف المنشآت النفطية والصناعية بأنه “جريمة خطيرة وتصعيد لن يمر دون رد، وتهديد مباشر لأرواح المواطنين والعاملين ولمنشآت حيوية تمثل جزءاً من أمن البلاد واقتصادها ومقدرات شعبها”.

كما دخلت وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية على خط الأزمة، حيث أكدت في بيان الأربعاء أنها “لن تتهاون مع الاعتداءات والأعمال الإجرامية التي استهدفت المنشآت النفطية والحيوية ومقدرات الدولة الليبية في الزاوية”، معتبرةً هذه الأعمال “اعتداءً مباشراً على أمن الوطن ومصالح الشعب وتهديداً خطيراً للاستقرار والسلم الاجتماعي”.

ووصفت الوزارة استهداف المنشآت النفطية والحيوية في الزاوية بأنه “عمل عدائي ممنهج تقف وراءه أطراف تدفع بدعم وتحريض من جهات خارجية”، وقالت إن الهدف من ذلك هو “زعزعة أمن البلاد واستقرارها والتضييق على المواطن الليبي والإضرار بالاقتصاد الوطني وجر البلاد إلى مستنقع من العنف والفوضى والصراع”. وشددت على أن أمن البلاد وثرواتها ومشاريعها الحيوية “خط أحمر”، وأنها لن تسمح بتحويل مقدرات الليبيين إلى أدوات للابتزاز أو الفوضى أو تنفيذ أجندات خارجية.

روايات متضاربة حول هوية المهاجمين

في ظل غياب أي تبني رسمي لهذه الهجمات، تداولت أوساط الشارع الليبي روايات عدة حول الجهة المسؤولة، وفق ما نقله مراسل الأناضول. إحدى هذه الروايات تتهم حكومة الوحدة الوطنية بالوقوف وراء الاستهدافات، على خلفية احتجاجات شهدتها المدينة مؤخراً وطالبت برحيل الحكومة. فقد أطلق أهالي الزاوية في 27 يوليو الماضي، ممثلين في حراك “أبناء الزاوية”، تحركاً مدنياً شمل تعليق العمل في مؤسسات عامة داخل المدينة، باستثناء المستشفيات والمراكز الطبية.

لكن هذه الرواية تواجه تساؤلات مرتبطة بطبيعة المنشآت المستهدفة وأهميتها للحكومة نفسها، إذ يضمن مجمع الزاوية النفطي إمدادات الطاقة لمعظم مناطق غربي البلاد، بما فيها العاصمة طرابلس، من بنزين ووقود لتوليد الكهرباء وغاز للطهي، كما يمثل منفذاً للصادرات ومصدراً من مصادر إيرادات الدولة. ويضاف إلى ذلك أن إيطاليا، المستفيد الرئيسي من صادرات الطاقة الليبية، تُعد حليفاً مهماً لحكومة الوحدة، ما يضع علامات استفهام حول فرضية إقدام الحكومة على الإضرار بهذه المصالح لمعاقبة سكان الزاوية.

كما تنتشر رواية أخرى تتهم مجموعات مسلحة تتبع اسمياً حكومة الوحدة بالوقوف وراء الهجمات، استناداً إلى أن المصفاة تؤمنها مجموعات مسلحة تعد منافسة لجماعات أخرى في المدينة، سبق أن دخلت في اشتباكات متكررة. وكان أحدث تلك الاشتباكات في 4 أغسطس الجاري، وأسفر عن قتلى وجرحى وفرار سجناء. كما تشهد المدينة منذ أكثر من عام حوادث اغتيال متكررة، في سياق يبدو مرتبطاً بتصفية حسابات بين مجموعات مسلحة متنافسة.

ومنذ سنوات، تبذل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهوداً لمعالجة الخلافات المزمنة بين المؤسسات الليبية، والتي تحول دون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في هذا البلد الغني بالنفط والغاز. ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات إلى إنهاء الصراعات السياسية والمسلحة والفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي (1969-2011).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *