جذبت صفقة انضمام النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي اهتماماً جماهيرياً وإعلامياً واسعاً تجاوز حدود كرة القدم المحلية، لتصبح واحدة من أبرز صفقات فترة الانتقالات الصيفية وأكثرها حضوراً على الساحة الرياضية العالمية.
لم يكن انتقال قائد منتخب مصر إلى النادي التركي مجرد تغيير في قميص أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم، بل بدا نقطة تحول في علاقة طرابزون سبور بجمهور جديد يمتد من مصر إلى مختلف أنحاء العالم العربي، فضلاً عن منح مدينة طرابزون حضوراً أكبر على خريطة السياحة والرياضة.
منذ الإعلان عن الصفقة، تحولت طرابزون إلى وجهة لاهتمام الجماهير المصرية والعربية، فيما حظي وصول صلاح باستقبال جماهيري حاشد، قبل أن يقدمه النادي في أجواء احتفالية بملعبه “بابارا بارك”، في مشهد عكس حجم الشعبية التي يتمتع بها أحد أكثر اللاعبين العرب تأثيراً في تاريخ كرة القدم الأوروبية.
يعد صلاح من أبرز نجوم الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث سجل 193 هدفاً وقدم 94 تمريرة حاسمة في 328 مباراة، وتوج بلقب الدوري مرتين ودوري أبطال أوروبا، ليحجز مكانة بارزة في تاريخ ليفربول والكرة الإنجليزية.
جورجي هاجي.. أول صفقة أسطورية في الكرة التركية
رغم الزخم الذي رافق انتقال صلاح، فإنه ليس أول نجم عالمي يحط رحاله في الدوري التركي، إذ سبقته أسماء صنعت تاريخاً كبيراً في الملاعب الأوروبية. شكل تعاقد غلطة سراي مع أسطورة الكرة الرومانية جورجي هاجي عام 1996 أول صفقة من هذا الحجم في تاريخ الكرة التركية، إذ كان انتقال لاعب بمكانته مباشرة من برشلونة حدثاً استثنائياً آنذاك.
كان هاجي أحد أبرز نجوم العالم في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، وقاد منتخب رومانيا إلى ربع نهائي مونديال 1994، قبل أن يصنع مع غلطة سراي حقبة ذهبية. ورغم انتقاله إلى تركيا وهو في الحادية والثلاثين من عمره، فإنه ظل قادراً على صناعة الفارق، وساهم في تتويج الفريق بأربعة ألقاب متتالية في الدوري، كما قاده إلى الفوز بكأس الاتحاد الأوروبي عام 2000، ثم كأس السوبر الأوروبي على حساب ريال مدريد، ليصبح أحد أبرز اللاعبين في تاريخ النادي والكرة التركية.
روبرتو كارلوس وويسلي شنايدر.. نجوم كبار في زمن متألق
انضم روبرتو كارلوس، أحد أفضل من شغل مركز الظهير الأيسر في تاريخ كرة القدم، إلى نادي فنربهتشه عام 2007 بعد مسيرة حافلة مع ريال مدريد توج خلالها بأربعة ألقاب في الدوري الإسباني وثلاثة في دوري أبطال أوروبا. ورغم تجاوزه الرابعة والثلاثين من عمره، شكل وصوله إلى تركيا حدثاً لافتاً، وأسهم في تتويج فنربهتشه بكأس السوبر التركي، كما ساعد الفريق على تحقيق أفضل إنجاز أوروبي في تاريخه آنذاك ببلوغ ربع نهائي دوري أبطال أوروبا. لم ينجح كارلوس في إحراز لقب الدوري، لكنه ترك بصمة واضحة خلال موسمين ونصف، مؤكداً أن الدوري التركي بات قادراً على استقطاب أسماء عالمية كبيرة.
أحدث انتقال ويسلي شنايدر إلى غلطة سراي في يناير 2013 صدى واسعاً، إذ جاء إلى تركيا وهو في الثامنة والعشرين من عمره، بعد سنوات قليلة من قيادته إنتر ميلان إلى لقب دوري أبطال أوروبا ومنافسته على الكرة الذهبية. وخلال أربعة مواسم ونصف، سجل 35 هدفاً في 124 مباراة بالدوري، وقاد الفريق إلى لقبين في الدوري وثلاثة ألقاب في كأس تركيا. كما لعب دوراً بارزاً في مسيرة غلطة سراي الأوروبية، وساهم في بلوغ الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا، ليصبح أحد أبرز المحترفين في تاريخ النادي.
فيكتور أوسيمين.. صفقة كسرت القواعد ورفع سقف التوقعات
مثل انتقال النيجيري فيكتور أوسيمين إلى غلطة سراي صيف 2024 حالة استثنائية، إذ انضم إلى الدوري التركي وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وفي قمة مستواه، بعد تعثر صفقة انتقاله إلى تشيلسي، في حين انتقلت معظم الأسماء الكبيرة إلى صفوف الأندية التركية وهي متقدمة في العمر نوعاً ما. وبعد موسم إعارة ناجح، حسم غلطة سراي الصفقة نهائياً صيف 2025 مقابل 75 مليون يورو، في أغلى صفقة بتاريخ الدوري التركي.
سجل أوسيمين 37 هدفاً في 41 مباراة خلال موسمه الأول، وقاد الفريق إلى لقبي الدوري والكأس، قبل أن يواصل تألقه في موسم 2025-2026 بإحراز 22 هدفاً، مساهماً في تتويج غلطة سراي بلقب الدوري للمرة الرابعة توالياً، إلى جانب بلوغ ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا، حيث سجل سبعة أهداف في البطولة.
صلاح.. فصلاً جديداً في تاريخ طرابزون سبور والدوري التركي
تعكس هذه الصفقات تطوراً واضحاً في نوعية النجوم الذين نجح الدوري التركي في استقطابهم. فمع هاجي بدأت مرحلة جذب الأسماء الأوروبية الكبيرة، ثم جاء روبرتو كارلوس حاملاً معه بريق ريال مدريد، بينما مثل شنايدر نموذجاً للنجم الذي وصل إلى تركيا وهو لا يزال في قمة عطائه، قبل أن يكسر أوسيمين التوقعات بانتقال قياسي وهو أحد أفضل مهاجمي العالم. أما صلاح، فينضم إلى هذه القائمة بميزة مختلفة؛ فهو لا يأتي باعتباره لاعباً كبيراً فقط، بل أحد أكثر نجوم كرة القدم جماهيرية وتأثيراً على مستوى العالم، وهو ما يمنح الصفقة أبعاداً تتجاوز المستطيل الأخضر إلى الإعلام والتسويق والسياحة والتفاعل الرقمي.
فهل ينجح صلاح في ترك الإرث نفسه الذي تركه هاجي مع غلطة سراي أو شنايدر وأوسيمين مع النادي ذاته أو روبرتو كارلوس مع فنربهتشه؟ الإجابة ستحدد مكانته بين أبرز النجوم العالميين الذين لعبوا في الكرة التركية، لكن المؤكد أن وصوله إلى طرابزون سبور فتح فصلاً جديداً في تاريخ النادي، ومنح المدينة والدوري التركي حضوراً أوسع على الساحة الكروية العالمية.





