يتجاوز الجدل الدائر حول صورة لبنان في الإعلام حدود النقاش العقيم، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل تكمن المشكلة في ما يُروى عن هذا البلد، أم في الواقع الذي آلت إليه أوضاعه؟
حصيلة التصعيد الأخير: أرقام صادمة
تكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية عن حجم مأساوي للتصعيد العسكري الأخير، حيث تجاوز عدد القتلى 3 آلاف و961 شخصاً، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 16 ألفاً و500. وفي ذروة العمليات، نزح داخلياً أكثر من مليون و200 ألف شخص. على الصعيد الاقتصادي، قدر البنك الدولي الخسائر والأضرار بنحو 8.5 مليارات دولار، مع تضرر ما يقارب 100 ألف وحدة سكنية، وفقدان نحو 166 ألف فرصة عمل.
هذه الأرقام ليست مجرد أرقام جامدة، بل تعكس مجتمعاً يعاني من اهتزاز عميق في بنيته الاجتماعية والاقتصادية. إذ تتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الطبيعية، في ظل ارتباط بعض اللبنانيين بالخارج وتصاعد الأعمال الإجرامية من قبل الحكام الإسرائيليين. ويظهر ذلك جلياً في ما جرى في جنوب لبنان، حيث تم محو 90 بلدة وقرية ومدينة من الخريطة، رداً على إطلاق 6 صواريخ من قبل حزب الله انتقاماً لمرشده علي خامنئي.
الهجرة: من خيار فردي إلى مسار جماعي
تتسع ظاهرة الهجرة بشكل متسارع، لتصبح مساراً جماعياً بدلاً من خيار فردي. تشير التقديرات الدولية إلى مغادرة نحو 640 ألف شخص لبنان بين عامي 2016 و2024، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم عند ظهور إحصاءات عامي 2025 و2026. لم تعد الهجرة مقتصرة على تحسين مستوى المعيشة، بل أصبحت في حالات كثيرة محاولة للنجاة من واقع متزايد الانسداد في بلد يعيش حالة انهيار بطيء.
لم يولد هذا الانهيار فجأة، بل تراكمت الأزمة اللبنانية على مدى سنوات، بدءاً من الانهيار المالي عام 2019، مروراً بتراجع القطاع المصرفي، وصولاً إلى انهيار الخدمات العامة. وجاءت حرب إسناد إيران، بعد حرب إسناد غزة التي خلفت أعداداً من الضحايا والمصابين والخسائر، لتضيف عبئاً جديداً على دولة كانت أصلاً في حالة تفكك تدريجي.
البنيان السياسي: عقود من الفشل
لا يمكن فهم ما وصل إليه لبنان من دون التوقف عند البنية السياسية التي تشكلت بعد اتفاق الطائف عام 1990. فخلال أكثر من ثلاثة عقود، بقيت الطبقة السياسية نفسها، أو امتداداتها المباشرة، تتولى إدارة الدولة. تبدلت الوجوه أحياناً، وتحولت التحالفات كثيراً، لكن من دون أي تغيير جوهري في منطق الحكم أو طريقة إدارة السلطة. خصوصاً أن الذين توالوا على السلطة تقاعسوا عن تنفيذ اتفاق الطائف، من أجل مكاسبهم الشخصية، وخدمة رعاتهم الإقليميين من دمشق إلى طهران.
النتيجة أن الأزمة لم تعالج بل تراكمت، والمشكلات نفسها أعيد إنتاجها بصيغ مختلفة: دولة أضعف، مؤسسات أكثر هشاشة، واقتصاد أكثر انكشافاً أمام كل صدمة جديدة.
لماذا يهاجر اللبنانيون؟ سؤال مختلف
في هذا السياق، يصبح السؤال عن أسباب الهجرة سؤالاً ناقصاً. الأدق أن يُطرح بشكل مختلف: لماذا يُفترض من اللبناني ألا يهاجر أصلاً؟ حين تغيب الدولة القادرة على توفير الأمن، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، يتحول الخروج من البلاد من استثناء إلى نتيجة طبيعية.
لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات ولا إلى الطاقات، بل إلى منظومة حكم تجعل من الإنسان أولوية فعلية، وليس تفصيلاً في خطاب سياسي أو رقماً في معادلة صراع. فكل مشروع يُرفع باسم السيادة أو الإصلاح أو المقاومة يفقد معناه عندما يعجز عن ضمان أبسط حقوق المواطن في البقاء بكرامة داخل وطنه.
ربما أخطر ما يعيشه لبنان اليوم ليس حجم الخسائر المادية فقط، بل التحول العميق في الوعي الجماعي: من سؤال كيف نبني لبنان؟ إلى سؤال أكثر مرارة كيف نغادره؟ وعندما يصبح هذا السؤال شائعاً، فإن الأزمة لم تعد في الناس، بل في دولة لم تعد تقنع أبناءها بأن البقاء فيها يستحق المحاولة.





