وردي المشاعر: إرث فني سوداني يجمع التميز والصدق

05/08/2026 01:01

التميز والابتكار

إذا كان التميز يعني تقديم ما يختلف عن المألوف ويترك الآخرين في حالة دهشة مستمرة، فإن الفنان السوداني الراحل محمد عثمان وردي جسّد هذا المفهوم في كل مراحل مسيرته الفنية، في تفكيره وأسلوب حياته ومواقفه السياسية. عندما أخذ واحدة من الأغاني القديمة من تراث (الحقيبة) وأعاد تقديمها، لم يعتمد فقط على صوته العذب بل أضاف لمسة من تميزه الخاص، بحيث يظن المستمع أن الأغنية أُلفت خصيصاً له، بينما في الحقيقة تحمل سمات الحداثة والمعاصرة التي تجعلها تبدو كأعمال جديدة رغم قدمها.

صقل الموهبة بالعلم والثقافة

إذا نظرنا إلى الموهبة كمعطاء طبيعي لا يُستجلب وكالهبة التي تحتاج إلى صقل عبر المعرفة والتعلم، فإن وردي يمثل أسمى مثال على ذلك. فقد جمع بين الفطرة والإطلاع الأكاديمي والثقافي، وعمّق خبرته بالغوص في المجال الذي برع فيه. أظهرت هذه العملية قيمتها في الألحان المركبة والجمل الموسيقية الغنية والمقدمات التي تميّزه عن زملائه. رحلته إلى القاهرة في أواخر الستينيات، حيث طلب من العازف أندريه رايدر أن يضع توزيعاً موسيقياً لأغنية (الود)، أظهرت إدراكه المبكر لأهمية التأليف والتوزيع، بينما كان كثير من الفنانين في ذلك العصر لا يزالون يجهلون تلك المفاهيم.

عبقرية وتجاوز المستحيل

إذا كانت العبقرية تتفوق على النبوغ والذكاء بمسافات شاسعة، وتعني تقديم ما لم يألفه أحد ولم يُنتج له شبيه، فإن محمد عثمان وردي يجسّد هذا التعريف. فقدّم أعمالاً سبقت عصرها وتفوّقت على ما قدمه أسلافه ومعاصروه، ولم يتمكن من جاءوا بعده من بلوغ مستواها، ويبدو أن ذلك سيستمر لعقود قادمة. كما أن علامة التميز في الفن تكمن في إبداع ما لم يسبق أحدٌ إليه، ووردي حقق ذلك عبر ألحانه التي لم تُقلّد ولا تُعاد.

الصدق والشجاعة والذكرى

الصدق عند وردي يعني التعبير عن الحقيقة دون مواربة، حتى لو كلفه ذلك شخصياً، وقد ظهر ذلك في اختياراته للنصوص الشعرية وأداءه للألحان، حيث ظل الفنّ لديه رهاناً صادقاً حتى أيامه الأخيرة، وهو ما تجسّد في استمراره بالغناء جالساً على كرسي بعد تجاوز الثمانين، رغم صعوبة الحركة. أما الجرأة فكانت سمة واضحة في آرائه السياسية والفنية، حيث عبّر عن مواقفه بلا لفّ أو دوران، ورأى الأمور بالأبيض والأسود فقط، مكرراً مقولته الشهيرة (للأعور أعور في الجرايد). وفي ذكرى ميلاده التي تحل هذه الأيام، نستذكر سيرته ونؤكد أن فراغ رحيله لا يملأ، وأن الظلام يفتقد نور صوت وردي، كما يعبّر محبّوه عن شوقهم بقولهم: يبقى وردي للمستقبل، وكيف يُدعى مفارقاً بينما هو لا يزال بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *