شارل مونتسكيو: مهندس الدولة الحديثة وفكرة فصل السلطات

25/08/2026 01:01

وُلد الرجل في عائلة نبيلة قرب مدينة بوردو، ودرس التاريخ والقانون والفلسفة، وتولى لاحقًا مناصب قضائية في برلمان بوردو، ثم انصرف إلى الكتابة بعد رحلاته الأوروبية، بخاصة في إنجلترا حيث تأثر بنظامها الدستوري.

في عالم يسوده الاستبداد وتتركز السلطة بأيدي ملوك جائرين باسم الدين، ظهر مونتسكيو كمنارة عقلانية تنير درب الحرية. لم يكن مجرد فيلسوف أو مثقف نخبوي، بل كان قاضيًا ورحالة ومفكرًا سياسيًا بعيد النظر، استطاع بلورة رؤية ثورية لفهم السلطة وترويضها والحد من تغولها، إذ أدرك مبكرًا أن كل من يتمتع بسلطة مطلقة يسيء استخدامها، فجاءت فلسفته محاولة منهجية لبناء أنظمة سياسية خاضعة للقانون تحمي الإنسان من طغيان الإنسان نفسه.

نشأ مونتسكيو في كنف النبلاء الفرنسيين وتلقى تعليماً قانونياً وتاريخياً وفلسفياً غنياً، لكن ما ميزه عن معاصريه من فلاسفة الأنوار هو منهجه الاستقرائي المقارن. في كتابه الأشهر “روح الشرائع” (الصادر في العام 1748)، لم يقدم نظريات تخييلية مجردة، بل انطلق من دراسة الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تقبع فيه أنظمة الحكم عبر التاريخ وعبر الثقافات المختلفة (من إنكلترا إلى بلاد فارس)، ساعياً للكشف عن “الروح” الكامنة وراء القوانين، أي العلاقة بين التشريعات من جهة والمناخ والعادات والدين والتجارة وطبيعة الأرض من جهة أخرى. وجعل هذا المنهج منه أبًا مؤسسًا لعلم الاجتماع السياسي الحديث.

نظريّة الفصْل بين السلطات

يُميّز مونتسكيو بين ثلاثة أنماط رئيسة للحكومات التي قامت في سياق حركة التاريخ، ولكلٍّ منها طبيعته ومبدأه المحرّك: الجمهورية حيث الشعب أو جزء منه هو الحاكم والفضيلة السياسية هي المبدأ الجوهري (التفاني من أجل الصالح العام)؛ الملكية حيث يحكمها فرد واحد وفق قوانين ثابتة ومبدأها الشرف؛ الاستبدادية حيث يحكمها فرد واحد وفق أهوائه ومبدأها الخوف.

لكن إسهامه الأكثر أصالة وعمقًا هو تحليله للطريقة التي تشتغل بها السلطة (قوة الدولة المحرّكة) بغض النظر عن شكل النظام القائم، ويقدّم نظريته الجوهرية في ضرورة فصل السلطات من داخل الدولة وأولوية هذه المسألة، معتبرًا أن جمع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة (ملك أو برلمان أو حزب) هو التعريف العملي للاستبداد وبالتالي وقوع أي بلد رهينة العنف والفوضى والفشل السياسي وغير السياسي.

وعلى هذا الأساس جاءت تقسيماته الدقيقة: السلطة التشريعية تضع القوانين وتصححها أو تلغيها (ممثلة بالبرلمان)؛ السلطة التنفيذية تنفّذ القوانين وتدير شؤون الدولة الداخلية والخارجية وتقرر الحرب والسلم (ممثلة بالحكومة أو الملك)؛ السلطة القضائية تفصل في النزاعات وتعاقب المجرمين (ممثلة بالمحاكم).

تأثير مونتسكيو على الثورات والدساتير

هذا الفصل بين السلطات ليس انعزالاً بطبيعته، بل هو شكل من أشكال التنظيم السياسي لآلية عمل السلطة عبر تحقيق التوازن والتعاون في إطار من الرقابة المتبادلة. فالحكومة (التنفيذية) يجب أن يكون لها حق الاعتراض على القوانين الجائرة، والبرلمان (التشريعي) يجب أن يراقب تنفيذ الحكومة للأعمال والمشاريع، والقضاء المستقل هو حارسة العدالة التي تضمن التزام الجميع بالقانون السائد، حيث يصدر الأحكام ويعاقب على الجرائم ويحل النزاعات والخصومات بين الأفراد، بما يقضي أن يكون مستقلًا، قائمًا على القانون فقط، ويراقب الجميع.

وهذه الآلية الهندسية العبقريّة هي ضمانة الحرية السياسية التي عرفها مونتسكيو بأنها “حق الإنسان في فعل كل ما تبيحه له القوانين” وعدم الخوف من تعسف الحاكم أو جوره.

ولقياس عمق رؤية مونتسكيو، من المفيد وضعها في حوار نقدي مع تيارات فكرية لاحقة: في مواجهة الفيلسوف لويس ألتوسير (السلطة القمعية)، بينما ركّز مونتسكيو على المؤسسات الرسمية وفصلها لضمان الحرية، يذكرنا الفيلسوف الماركسي الشهير بأن للدولة وجهاً آخر هو الأجهزة القمعية (الجيش، الشرطة، السجون) التي تمارس الهيمنة المباشرة، كما يشير إلى “الأجهزة الأيديولوجية” (المدرسة، الإعلام، الدين) التي تنتج القبول الطوعي بالسلطة. هذا التوسيع للمنقاش يكمل صورة مونتسكيو، لكنه لا يلغي حقيقة أن فصل السلطات هو الضمانة الأهم ضد تحول الأجهزة القمعية إلى أداة في يد طاغية واحد.

في مواجهة فوكو (السلطة المنتشرة)، يأتي ميشال فوكو ليُنتقد التصور المؤسّسي الصرف للسلطة، فيراها علاقات قوى منتشرة في całej جسم المجتمع، وليست حكرًا على الدولة. والسلطة بالنسبة إليه تتجلّى في المعرفة (الطب، علم الجنس، علم النفس) التي تراقب وتضبط وتوجّه الأفراد في مواقعهم العملية. هذا النقد يوسّع مفهوم السلطة إلى ما هو أوسع من السياسة، لكنه في الوقت نفسه يبرز عبقرية مونتسكيو الذي فهم أن تركيز السلطة المؤسساتي هو البوابة الرئيسة للطغيان، وهو أقرب طريق للاستبداد، وأن تفكيك هذا التركيز هو الخطوة المركزية نحو مجتمع أكثر حرية وانفتاحًا، حتى لو لم تكن هي الخطوة الوحيدة.

أهمية فكر مونتسكيو في العصر الحديث

تخطّت أفكار شارل مونتسكيو حدود الزمان والمكان، وهذا ما تمثل من خلال الآتي: التأسيس للثورات؛ كانت كتاباته وقودًا فكريًّا للثورتين الفرنسية والأمريكية. فدستور الولايات المتحدة الذي تم إقراره في العام 1787 هو التطبيق الأوضح لنظرية الفصل بين السلطات، مع نظام من “الضوابط والموازنات” بين الكونغرس والرئيس والمحكمة العليا.

حجر أساس الدولة الحديثة؛ أصبح مبدأ فصل السلطات هو المقياس الحيوي والمعيار الذهبي للدولة الديمقراطية الحديثة، حيث إن معظم دساتير العالم اليوم تنص عليه كضمانة للحريات وحقوق الإنسان ضد الاستبداد.

الرسالة الإنسانية الكونية؛ وتجلت في مقولته: “أنا فرنسي بالصدفة، لكن أنا إنسان بالضرورة”; هنا يتخطى مونتسكيو nationalism الضيق إلى فكرة المواطنة العالمية والإخاء الإنساني. وبهذا وضع البذور الأولى للفكر الذي نما لاحقًا ليصير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إنه يذكرنا أن العدل والحرية قيمتان كونيتان لا تحدّهما حدود.

وفي زمننا الراهن، حيث تظهر أشكال جديدة من السلطة (سلطة التكنولوجيا وبخاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي، سلطة الشركات العابرة للقوميات والقارات، سلطة الإعلام الموازي الهائل)، وحيث تتعرض الأنظمة الليبرالية التقليدية لأزمات، يظل درس مونتسكيو الأساسي صارخًا في عنوانه الكبير، وهو أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، ما يفترض حماية الحرية، وهذا الأمر لا يأتي من ثقة عمياء في نوايا الحكام، بل من أهمية البناء المؤسّسي القانوني المحكم الذي ينبغي أن يقوم على التوازن والرقابة والشفافية والمساءلة الدائمة.

نعتقد أن دعوة مونتسكيو إلى فصل السلطات ليست مجرد تقنية قانونية، بل هي فلسفة أخلاقية سياسية في الحكم، تدرك طبيعة الإنسان الهشة؛ فهذا الفصل يحدّ من ميل النظام نحو الطغيان والإقصاء، ويمكّنه من منع الانسياق إلى إساءة استخدام السلطة على مستوى النفوذ والاستئثار والغلبة وغيرها؛ لذا يجب تنظيمها عبر مؤسسات وهياكل مؤسسية مدنية تفصل السلطات بعضها عن بعض لتحقيق التوازن فيما بينها لمصلحة بقاء الدولة في حالة اعتدال وتوازن واستقرار.

نعم، لقد كان شارل مونتسكيو مهندسًا للحرية. لقد رسم الخرائط المؤسسية التي تحول دون تخبط المجتمعات في هاوية الاستبداد. وفكره ليس تراثًا موروثًا، بل هو بوصلة مستمرة لترجمة دولة القانون والعدل، التي تذكّرنا دائمًا بأن الحرية ليست هبة، بل هي بناء عقلي ومؤسّسي دائم يحتاج إلى حراسة وحكمة ومسؤولية والتزام عملي وأخلاقي، بحيث يؤول ذلك إلى الطمأنينة النفسية، وعدم خوف أي مواطن من مواطن آخر، وخصوصًا إذا كان في موقع من مواقع السلطة المتشعبة المسؤوليات.

ويبقى الإرث الفكري والفلسفي السياسي لمونتسكيو فاعلاً وحياً في مواجهة مواقع الطغيان والاستبداد، مذكّرًا بأنّه ضرورة حيّة، لا مجرّد مصادفة تاريخيّة.

* كاتب وباحث سوري

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *