أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الجمعة، أنه لا يرى أي مبرر لعقد لقاء شخصي مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الظروف الحالية، وذلك بعد أن وجه زيلينسكي رسالة مفتوحة يقترح فيها إجراء محادثات مباشرة للاتفاق على إنهاء الحرب.
ووصف بوتين رسالة زيلينسكي بأنها تحمل نبرة فظة في بعض أجزائها، معتبراً أنها لا تمثل عرضاً جاداً للحوار. وقال: “تحتوي هذه الرسالة على بعض الإشارات التي تتسم بالفظاظة إلى حد ما. هل هذه طريقة لتهيئة الظروف لعقد لقاء وجهاً لوجه أم طريقة لعدم عقد لقاء وجهاً لوجه؟ أعتقد أنها كانت الطريقة الثانية”.
وعندما سئل خلال المنتدى الاقتصادي الروسي السنوي عن إمكانية لقائه بالزعيم الأوكراني، أجاب بوتين: “لا أرى أي جدوى لذلك في الوقت الراهن”. وأكد أن الحرب في أوكرانيا لن تنتهي إلا بعد أن تحقق روسيا أهدافها المعلنة، مضيفاً: “نفترض أن الأعمال العدائية ستنتهي يوماً ما. ولا شك أنها ستتوقف عندما نحقق الأهداف التي وضعناها لأنفسنا”.
موقف الكرملين من رسالة زيلينسكي
يتريث الكرملين في إصدار رد رسمي على الدعوة المفتوحة التي وجهها زيلينسكي، حيث بدا أن بوتين يدرس الخيارات المتاحة للرد على اقتراح ترتيب لقاء لدفع المفاوضات. وفي الوقت نفسه، حرص بوتين على التذكير بأن زيلينسكي “فقد شرعيته كرئيس”، معرباً عن رغبته في توقيع اتفاق السلام مع طرف يتمتع بوضع قانوني مناسب.
وكان الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف قد علق على الرسالة بالقول إن “الموقف الروسي معلن، ويمكنه (زيلينسكي) القدوم إلى موسكو في أي لحظة إذا كان يرغب في إجراء محادثات”، مشيراً إلى أن موسكو لا ترفض مبدأ الحوار لكنها تشترط أن يتم في إطار وشروط محددة.
وأوضح بيسكوف أن الرئيس “قرأ النسخة المكتوبة من رسالة زيلينسكي المفتوحة”، وأن إدارة الكرملين سلمته “نسخة مكتوبة خلال الليل، وقرأها، كما نقلنا له ردود فعل قادة العالم المختلفة”، لكنه امتنع عن الكشف عن تفاصيل رد فعل بوتين عليها.
وكان زيلينسكي قد اقترح على بوتين بدء حوار ثنائي مباشر والاجتماع في أرض محايدة مثل سويسرا أو تركيا أو إحدى دول الشرق الأوسط، وأكد ضرورة مشاركة أوروبا والولايات المتحدة في المفاوضات، داعياً إلى إعلان انتهاء الحرب والتوصل إلى اتفاقات.
وأعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا أنه سيرسل رسالة إلى موسكو عبر القنوات الدبلوماسية، إلا أن بيسكوف أوضح أنه لا توجد حالياً قنوات اتصال رسمية بين البلدين، مجدداً الحديث بأن بوتين “عرض مراراً وتكراراً لقاء زيلينسكي في العاصمة الروسية إذا رغب في الحوار”.
بوتين يشترط تنازلات أوكرانية
واجه بوتين على هامش مؤتمر سان بطرسبرغ الاقتصادي أسئلة محرجة، بينها طلب التعليق على عبارات قاسية وجهها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى روسيا، اتهمها فيها بأنها لا ترغب في تقديم تنازلات لإحراز السلام.
وعلق بوتين على تصريحات روبيو بحذر قائلاً: “إنه شريك جاد”، وموقفه مثير للاهتمام، لكن الوضع الحقيقي “على الأرض” مسألة مختلفة، بحسب الرئيس، مشيراً إلى أن “القوات الروسية تتقدم على طول خط التماس بأكمله”.
وفي الوقت نفسه، أكد بوتين أن بلاده “مستعدة للسلام”، لكنه كرر الإشارة إلى شروطه المعلنة سابقاً، وقال: “الشروط معروفة. تمت مناقشتها في أنكوريج”، في إشارة إلى القمة التي جمعته بنظيره الأميركي، والتي اتفق خلالها الطرفان على دفع عملية سلام مقابل تنازلات أوكرانية عن الأراضي التي ضمتها روسيا بشكل أحادي.
وقال بوتين: “الرئيس الأميركي على دراية بهذه الأمور (…) وعلى الجانب الأوكراني الموافقة على نفس التنازلات، وحينها سيصل الصراع سريعاً إلى نهايته الطبيعية”. وعندما سئل: “لماذا لا يحدث ذلك؟”، أجاب بأن السلطات الأوكرانية فقدت شرعيتها، وزاد: “لديّ انطباع بأن الدوائر الحاكمة في كييف غير مهتمة بإنهاء القتال؛ لأنها ستفقد السلطة إذا فعلت ذلك”.
ورداً على سؤال حول ماذا سيقول لزيلينسكي إذا اضطر للجلوس معه على طاولة واحدة، قال بوتين: “انتهت ولاية زيلينسكي الرئاسية في مايو 2024، ولم تُحدد مواعيد لانتخابات جديدة. ونرغب، إذا ما وقعنا وثائق تاريخية، أن نوقعها مع أشخاص شرعيين. إذا كانت هناك إرادة، فسنجد من يوقع الوثيقة معه”. أما عن الكلمات التي سينطق بها في اجتماع شخصي، فقال: “على الأقل، يمكن للمرء، بل ينبغي عليه، أن يقول: الحمد لله أن كل شيء قد انتهى”.
ترحيب أوروبي واجتماع مرتقب في لندن
رحب الاتحاد الأوروبي بدعوة زيلينسكي لإجراء محادثات مباشرة، وقالت المتحدثة باسمه أنيتا هيبر: “نرحّب بدعوة الرئيس زيلينسكي لإجراء مفاوضات مباشرة، وكذلك بالدعوة إلى وقف إطلاق النار. من جانبنا، نؤكد مجدداً أن أوكرانيا تريد السلام، وأوروبا تريد السلام”.
كما رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالدعوة، قائلاً: “أعتقد أن على أوكرانيا وروسيا الآن العمل على إرساء وقف لإطلاق النار ووضع خطة للسلام، ويمكن للأوروبيين المساهمة في ذلك”. وأضاف ماكرون خلال قمة بين الاتحاد الأوروبي ودول البلقان في تيفات عاصمة مونتينيغرو: “آمل أن نتطلع إلى المستقبل ونناقش كيف يمكننا إعادة تنظيم الحوار للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإحلال السلام”.
ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن، الأحد، لمناقشة “دعم أوكرانيا” و”زيادة الضغط على المجهود الحربي الروسي”، وفق ما أعلن قصر الإليزيه، الجمعة. وسيعقد القادة الثلاثة محادثات في ما بينهم قبل لقاء الرئيس الأوكراني.
وأضافت الرئاسة الفرنسية، في بيان نقلته وكالة الصحافة الفرنسية: “سيوفر هذا الاجتماع أيضاً فرصة لتقييم الجهود المبذولة لتحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا وفي القارة الأوروبية، ولا سيما في إطار (تحالف الراغبين)” الذي جرى تشكيله لتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا. ووفق البيان، فإن روسيا “تواجه في الوقت الحالي إخفاقاً عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً، وتصر على البقاء دون جدوى على خطوط القتال الأمامية في حرب دامية”.
ودعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الرئيس الروسي إلى إجراء مفاوضات للتوصل إلى حل سلمي في أوكرانيا بمشاركة الأوروبيين، قائلاً: “حان الوقت الآن للجلوس إلى طاولة المفاوضات… أعتقد أن الجميع يرى أن النزاع وصل إلى مرحلة تستدعي بشكل عاجل وضع حد له”.
وقال بوتين إن الاتحاد الأوروبي يمكنه أن يلعب دوراً بناءً من خلال إقناع كييف بالتوصل إلى حل وسط بدلاً من تزويدها بالأسلحة، وشدد على أن سيطرة روسيا على دونباس وإبرام اتفاق بشأن أوكرانيا ليسا أمرين متناقضين.
ودافع الرئيس الروسي عن اقتراحه السابق بأن يلعب المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر دور الوسيط لإعادة إحياء قنوات الحوار بين روسيا وأوروبا، وأوضح: “الوساطة تفترض الحياد. أي نوع من الوسطاء يمكن أن تخدمه دول تُجرّ فعلياً إلى الأعمال العدائية؟”، كما حث على عدم وصف شرودر بأنه “صديق بوتين”، قائلاً: “إنه ليس صديق بوتين كما يُشاع. إنه رجل دولة ألماني، وله موقف وشجاعة للدفاع عنه. لا يوجد الكثيرون مثله في أوروبا حالياً”.
هجمات متبادلة وتبادل أسرى
أوقعت هجمات روسية بمئات المسيّرات، ليل الخميس الجمعة، سبعة قتلى أوكرانيين. وقال الجيش الأوكراني إن روسيا أطلقت ليلاً صاروخين و216 طائرة مسيّرة بعيدة المدى، وإنه أسقط 198 منها.
من جانب آخر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية نجاح عملية تبادل للأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وقالت في بيان إنه تمت “إعادة 185 عسكرياً روسياً من الأراضي الأوكرانية، وتسليم 185 أسيراً من قوات كييف، بعدما توسطت الإمارات العربية المتحدة لإنجاح عملية تبادل الأسرى مع أوكرانيا”.
وفي تطور آخر، أقرت أوكرانيا الجمعة أن المسيّرة البحرية التي انفجرت في وقت مبكر يوم الجمعة في ميناء كونستانتا الروماني على البحر الأسود، تابعة لها، قائلة إنها “فقدت السيطرة” عليها بسبب تشويش إلكتروني روسي. وأعلنت البحرية الأوكرانية على موقع فيسبوك أن مسيّرة تابعة لها “تعرضت للتشويش من أنظمة الحرب الإلكترونية للعدو، وفقدت السيطرة وانتهى بها المطاف بالقرب من الساحل الروماني”.
وأعلنت رومانيا الجمعة حالة تأهب أمني مشدد في ميناء كونستانتا، وأمرت السلطات بإجلاء الموظفين من منطقة الرصد الأولي، ونشرت قوات مشتركة تضم عناصر من جهاز المخابرات والأمن والدرك والشرطة وحرس الحدود لتأمين الميناء.
كما أعلنت أذربيجان الجمعة مقتل خمسة من مواطنيها في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت سفينتي شحن في بحر آزوف، في حين حملت روسيا المسؤولية لأوكرانيا. وقالت وزارة الخارجية الأذربيجانية في بيان: “شُنّت هجمات بطائرات مسيّرة ليلاً على سفينتي شحن أجنبيتين… وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل خمسة من مواطنينا وإصابة ثلاثة آخرين”.
على صعيد آخر، أقر مجلس النواب الأميركي الخميس حزمة مساعدات واسعة النطاق لأوكرانيا، وفرض عقوبات على روسيا، وأكد مجدداً التزامه تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في أحدث مؤشر على استعداد بعض الجمهوريين لتحدي قادة حزبهم والوقوف في وجه الرئيس دونالد ترمب. وصوت مجلس النواب بأغلبية 226 صوتاً مقابل 195 لصالح قانون دعم أوكرانيا، الذي طُرح للتصويت بعد أن ظل معلقاً لشهور.
وبحسب مشروع القانون، تدين الولايات المتحدة، بأشد العبارات، جرائم الحرب الروسية، ويدعو روسيا إلى السحب الفوري وغير المشروط لكل قواتها المسلحة من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ومنطقتا دونيتسك ولوهانسك في جنوب شرق البلاد. وجاء في مشروع القانون أن أي مفاوضات يجب أن تستند أيضاً إلى سيادة أوكرانيا، دون أن تخضع لإملاءات من روسيا.





