أعلنت الولايات المتحدة، الخميس، دعمها للرئيس البوليفي رودريغو باز الذي يواجه احتجاجات شعبية متزايدة، وعرضت تقديم مساعدات طارئة، محذرة في الوقت نفسه من أي محاولات للإطاحة بالحكومة. ويواجه باز احتجاجات عارمة في جميع أنحاء البلاد ودعوات متصاعدة لاستقالته.
دعم أميركي للرئيس البوليفي
أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال مكالمة هاتفية مع باز، أن واشنطن “تكثف جهودها لتقديم مساعدات طارئة ودعم لوجستي” لمساعدة البوليفيين الذين يعانون من “نقص حاد في الغذاء والدواء” نتيجة إغلاق الطرق، وفق ما أفاد متحدث باسم الخارجية الأميركية. وفي الوقت نفسه، ندد وزير الدفاع بيت هيغسيث “بمحاولات الإطاحة بالحكومة الشرعية” لباز الذي ينتمي إلى يمين الوسط. وكتب هيغسيث على منصة إكس: “الولايات المتحدة تراقب الوضع”، متعهدا بمواصلة دعم باز “لضمان ردع تجار المخدرات الإرهابيين عن التربح من الموت والدمار في منطقتنا”.
تفاقم الأزمة الغذائية في بوليفيا
تولى باز المحافظ والمؤيد للأعمال منصبه قبل نحو سبعة أشهر بعد انتخابات تاريخية أنهت عقدين من حكم اليسار المتشدد. وسارع باز إلى إعادة العلاقات المقطوعة مع الولايات المتحدة وإدخال إصلاحات اقتصادية شاملة، من بينها خفض دعم الوقود الذي أثقل كاهل المالية العامة، لكن ردود فعل غاضبة اندلعت في جميع أنحاء بوليفيا. وفي مواجهة مطالبته بالتنحي، أعلن باز أنه أعد مشروع قانون يخول الجيش قمع التظاهرات وإعادة النظام العام. وفي لاباز، اصطف آلاف البوليفيين لساعات لشراء الدجاج، في دلالة واضحة على مدى معاناة الأسر من نقص الغذاء الذي تفاقم بسبب الاحتجاجات.
كولومبيا: جولة إعادة بين اليسار واليمين
في كولومبيا، سيتنافس المرشحان اليساري إيفان سيبيدا واليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 21 يونيو الحالي، وفقاً للنتائج الجزئية للجولة الأولى. وأعلنت الهيئة الانتخابية أن المرشح اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييّا فاز بنسبة 44 في المائة من الأصوات متفوقاً على المرشح اليساري إيفان سيبيدا الذي حصل على 41 في المائة، وعلى مجموعة من المرشحين الآخرين. وكان يفترض أن يؤمّن أحد المرشحين نسبة 50 في المائة من الأصوات لتجنب جولة الإعادة.
وتشهد البلاد أسوأ موجة عنف منذ توقيع اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) عام 2016، مع اغتيال العديد من القادة المجتمعيين ومقتل مدنيين في هجمات بسيارات مفخخة ومسيّرات، بالإضافة إلى مقتل مرشح رئاسي. وبعد مرور عقد من توقيع اتفاق السلام التاريخي، لا تزال جيوب من كولومبيا تحت سيطرة جماعات مسلحة منشقة تهيمن على إنتاج الكوكايين. ويحظر الدستور ولاية ثانية لأول رئيس يساري في تاريخ البلاد غوستافو بيترو الذي فشلت استراتيجيته “السلام الشامل” في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع مع الجماعات المسلحة. ويقول منتقدون لسياسة بيترو إن استراتيجيته منحت الجماعات الإجرامية حرية مطلقة؛ ما أدى إلى تصاعد العنف وارتفاع صادرات الكوكايين إلى مستويات قياسية. وقالت كاتالينا ديفيا، وهي مديرة إعلانات تبلغ 42 عاماً وأم لطفلين صوتت لصالح دي لا إسبرييّا: “لقد عززت هذه الحكومة الجماعات المسلحة بكونها متساهلة للغاية” مضيفة: “يفكر الكثير من الكولومبيين في الهجرة”.
مرشحا اليمين واليسار ومواقفهما
دي لا إسبرييّا (47 عاماً)، شخصية من خارج المؤسسة السياسية، ومؤيد للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويطلق على نفسه لقب “النمر”. وخاض حملته الانتخابية من وراء زجاج مضاد للرصاص وتعهد مواجهة الجماعات المسلحة في الجو والبر والبحر. وقال دي لا إسبرييّا في خطاب النصر وهو يرتدي قميص منتخب كولومبيا لكرة القدم: “سأقتل نفسي من أجل كولومبيا إذا لزم الأمر”. وسيخوض الآن جولة الإعادة في مواجهة سيبيدا، وهو ابن زعيم شيوعي تم اغتياله، ومهندس اتفاقات السلام التاريخية لعام 2016 مع “فارك”. وقد تعهد مواصلة السعي لتحقيق “السلام الشامل” وتوسيع نطاق البرامج الاجتماعية في مجتمع يعاني عدم المساواة بشكل كبير.
وشكك سيبيدا الذي كان يتوقع أن يتصدر التصويت، في دقة النتائج الأولية، لكنه لم يصل إلى حد الادعاء بأن الانتخابات مزورة، متعهداً هزيمة “اليمين المتطرف الفاشي” في الجولة الثانية من الانتخابات. ويشير مؤيدو خطه السياسي إلى ارتفاع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على التعليم ونقل أراض إلى المجتمعات الفقيرة. وأعرب مؤيدون لسيبيدا عن خيبة أملهم لحصوله على المركز الثاني. وقال أندريس ألبا، وهو موظف في مقهى يبلغ 42 عاماً بعد صدور النتائج: “يترك ذلك مرارة”. من جهتها، قالت غلوريا تيرانوفا، وهي صاحبة مقهى تبلغ 59 عاماً، إنها لا تزال تأمل في أن يفوز سيبيدا بالرئاسة رغم حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى. وصرّحت: “نحن الآن أمام طرفي نقيض: أحد الجانبين يريد السلام، والآخر يريد الحرب”.
مشاعر الناخبين والتحديات المقبلة
لكن بعض الناخبين أعربوا عن استيائهم من هذا الخيار المحتم والمستقطب. وقال جوليان، وهو مدير مشاريع يبلغ 37 عاماً: “تصويتي لا يسترشد بما أريده، بل بما أخشاه أكثر من غيره”، مضيفاً: “سأصوت للمرشح الأقل سوءاً”. وفي المناطق المتضررة من أعمال العنف، أعرب ناخبون عن قلقهم بشأن الأمن، لكنهم طالبوا أيضاً بالاستثمار الاجتماعي. وقالت يوريلس بولانكو، وهي عضو في مجتمع واييو قرب الحدود الفنزويلية: “ماذا أتوقع من الحكومة الجديدة؟ أن تضع المجتمعات الأصلية في الحسبان”. ورغم تزايد المخاوف من إراقة الدماء، مرّ يوم الانتخابات بهدوء. ونشرت الحكومة أكثر من 400 ألف عنصر أمني في أنحاء البلاد لضمان الأمن. والآن، سيكون على خليفة بيترو التعامل مع عدد كبير من الجماعات الإجرامية التي تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني.
حصيلة ولاية بيترو الاقتصادية والأمنية
تبيّن الأرقام الواردة في التقرير الشهري الأخير الصادر عن “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية” أن معدل البطالة في كولومبيا انخفض إلى أدنى مستوياته منذ أواخر القرن الماضي، وأن قطاع السياحة سجّل نمواً زاد على 30 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية بإيرادات تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي، فيما شهد القطاع الزراعي طفرة إنتاجية وتصديرية جعلته في مرتبة قطاع الطاقة من حيث العائدات الضريبية. كما سجل مؤشر الفقر تراجعاً ملحوظاً انعكس في تحسين ظروف التعليم والخدمات الصحية والمسكن لملايين الكولومبيين. في المقابل، شهدت الاستثمارات العامة والخاصة تراجعاً مطرداً منذ بداية ولاية الرئيس الحالي؛ ويعزو الخبراء ذلك إلى عوامل عدة، منها كثرة العراقيل في التشريعات الناظمة للاستثمار، وتعاقب التعديلات التي طرأت عليها في قطاعات حساسة تمتد فيها الاستثمارات فترات طويلة، خصوصاً في قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه القطاعات الإنتاجية الأخرى. لكن التركة التي تثير أكبر قدر من القلق في حصيلة ولاية أول رئيس يساري في كولومبيا، هي تدهور الأوضاع الأمنية التي كان غوستافو بيترو وضع ضبطها في طليعة أولوياته.
آخر ظواهر هذا التدهور الأمني كان العنف الذي شهدته حملة الانتخابات الرئاسية منذ بدايتها، عندما اغتيل المرشح الليبرالي الشاب ميغيل أوريبي طربيه، حفيد الرئيس الأسبق خوليو طربيه المولود في لبنان، عندما كان يخاطب أنصاره في المهرجان الافتتاحي لحملته. كما أن المرشحين الثلاثة الرئيسيين يتعرضون باستمرار لتهديدات بالقتل أجبرتهم على التنقل تحت حماية مشددة ومخاطبة أنصارهم من وراء سواتر زجاجية واقية من الرصاص.
المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية، وفق الاستطلاعات الأخيرة، هو اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي، الذي يطمح للحصول على أكثر من نصف الأصوات في الدورة الأولى ومواصلة سياسة بيترو القائمة على الحوار مع الجماعات المسلحة. وفي حال فوزه، سيكون ثاني رئيس يساري في تاريخ كولومبيا. وقد اختار سيبيدا ممثلة السكان الأصليين في مجلس الشيوخ، عايدة كيلكوي، مرشحةً ترافقه لمنصب نائب الرئيس. على الجبهة الأخرى تياران يمينيان؛ محافظ ومتطرف، للوصول إلى الدورة الثانية من الانتخابات في 21 يونيو المقبل. الأول تقوده عضو مجلس الشيوخ بالوما فالنسيا التي يدعمها زعيم اليمين المحافظ الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي. والثاني يقوده اليميني المتطرف آبيلاردو أسبيريلّا الذي يخوض معركته الانتخابية على “الطريقة الترمبية”، معتمراً قبعة شبيهة بقبعة الرئيس الأميركي، مطلقاً العنان للتعليقات الذكورية والشتائم المباشرة للصحافيين.





