لم يعد السؤال في واشنطن عما إذا كان دونالد ترمب لا يزال الشخصية الأبرز داخل الحزب الجمهوري؛ فسيطرته على هياكل الحزب، وشعبيته بين القاعدة، وقدرته على إبعاد المنافسين في الانتخابات الأولية، ما زالت حقيقة لا جدال فيها. إلا أن السؤال الآن يتحول إلى ما إذا كانت هذه السيطرة تبدأ في التلاشي عندما ينتقل التركيز من ميدان الولاء الحزبي إلى ساحات الحكم الفعلية مثل الحروب، والكونغرس، والإنفاق العام، والتعيينات، وتقييم الجمهوريين لمقاعدهم وصورتهم أمام الناخبين.
إشارات لحدود سلطة ترمب داخل الحزب
في الآونة الأخيرة ظهرت دلائل متفرقة لكنها واضحة على أن نفوذ ترمب لم يعد كافياً لإخماد التمرد داخل صفوف الجمهوريين في عدة قضايا. من تصويت يحد من صلاحياته في حرب إيران، إلى معارضة صندوق تعويضات بقيمة ملياري دولار، وصولاً إلى انتقادات حادة لتعيينات إدارته، يتضح أن بعض الجمهوريين بدأوا يرسخون مساراً وسطاً بين الولاء الكامل والانتقاد العلني.
تمرد محدود على قرار حرب إيران
لم يكن تصويت مجلس النواب لتقليل صلاحيات الرئيس في حرب إيران ناتجاً عن كتلة واسعة من الجمهوريين، بل جاء من أربعة نواب فقط: توماس ماسي، وبراين فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون. وعلى الرغم من صغر العدد، فقد شدد “نيويورك تايمز” على تنوع دوافعهم؛ فبعضهم ينتمي إلى جناح محافظ‑ليبرتاري يصر على أن تكون القرارات الحربية من اختصاص الكونغرس، بينما يمثل آخرون دوائر انتخابية تنافسية تخشى أن يتحول دعم حرب طويلة ومكلفة إلى عبء سياسي مع اقتراب الانتخابات النصفي.
رد ترمب على المنصة “تروث سوشيال” بالغضب، واصفاً التصويت بأنه “بلا معنى” ومتهمًا الديمقراطيين و”أربعة جمهوريين سيئين” بمحاولة تقييد صلاحياته “في خضم مفاوضاته النهائية” لإنهاء النزاع مع إيران. ثم وصف الخطوة بأنها “غير وطنية”، زاعماً أن خصومه يفضّلون فشل البلاد على منحه انتصاراً سياسياً جديداً.
خلف اللغة الحادة، تكمن رسالة أعمق: هناك جناح من الجمهوريين يرغب في ترسيخ مبدأ أن الولاء لترامب لا يلغي دور الكونغرس، لا سيما في مسألة الحرب. وأوضح النائب باريت ضرورة أن يحدد الكونغرس “نطاق المهمة وحدود استخدام القوة”، بينما ذكر فيتزباتريك أن قانون صلاحيات الحرب يفرض عودة السلطة إلى الكونغرس بعد تجاوز المدة القانونية للنزاع.
صندوق التعويضات الملياري يثير القلق
القضية الثانية التي كشفت عن حدود الانضباط داخل الحزب هي مقترح إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لتعويض من يزعمون تعرضهم لملاحقات سياسية. الفكرة ارتبطت بسردية ترمب عن “تسليح القضاء” ضد أنصاره، لكنها أثارت مخاوف واسعة داخل الحزب من احتمال تحويل الصندوق إلى آلية لتوزيع موارد على حلفاء سياسيين، بمن فيهم بعض المرتبطين بأحداث اقتحام مجلس النواب في 6 يناير 2021.
أفاد وزير العدل بالإنابة تود بلانش للمشرعين أن الإدارة “لن تمضي قدماً” في الصندوق، وفقًا لوكالة أسوشييتد برس. ومع ذلك، أبقى ترمب الباب مفتوحًا، معلنًا أنه لا يعلم ما إذا كان الصندوق قد أُلغي أو عُلّق، لكنه “يحب” الفكرة. يبدو أن الاعتراض ليس أيديولوجيًا بقدر ما هو سياسي ومؤسسي؛ فالعديد من الجمهوريين لا يعارضون فكرة “الاضطهاد السياسي” التي يطرحها ترمب، لكنهم يخشون أن يتحول هذا الخطاب إلى عبء انتخابي وقانوني إذا تم تصوير الحزب على أنه يستخدم أموالًا عامة أو تسويات قضائية لإرضاء قاعدة “ماغا”.
تعيين بيل بولتي يثير جدلاً أمنيًا
ملف تعيين بيل بولتي مديرًا بالإنابة للاستخبارات الوطنية أشعل نقاشًا آخر داخل الحزب. بولتي، الذي كان يترأس إدارة وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية، يُعد حليفًا سياسيًا لترمب، لكنه يفتقر إلى الخبرة الاستخباراتية، وقد أثار جدلاً بسبب دوره السابق في نشر معلومات حول رهن عقاري لمنتقدين بارزين للرئيس.
صاح صراخ السيناتور الجمهوري توم تيليس أن بولتي لا يملك “أي فرصة تقريبًا” لتثبيته في مجلس الشيوخ، واصفًا إدارة ترمب في هذا الشأن بأنها “تصرف هواة”. وحذر من أن هذا التعيين قد يعرقل مساعي تجديد قانون مراقبة جوهري للأمن القومي.
تجسد مواقف بعض الجمهوريين قلقًا أوسع من أن يفضّل ترمب الولاء السياسي على الخبرة المتخصصة في المناصب الحساسة للأمن القومي. وبالنسبة لأعضاء مجلس الشيوخ الذين يحتفظون بدور دستوري في التصديق على التعيينات، فإن تجاهلهم الكامل قد يعني تقليص نفوذهم أمام البيت الأبيض.
تمرد متباين يتجاوز القضايا الداخلية
الاعتراضات لا تقتصر على إيران أو الصندوق الملياري أو التعيينات؛ فهناك تباينات داخلية حول سياسات خارجية تشمل تايوان، روسيا، وأوكرانيا. تقارير تشير إلى أن مجلس النواب قد يطرح عقوبات جديدة على روسيا ومساعدات لأوكرانيا عبر ائتلاف ثنائي، في وقت يعبر فيه صقور الجمهوريون عن استيائهم من سياسات الإدارة في أوروبا واحتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي هناك.
هذا يشير إلى أن “التمرد” ليس كتلة موحدة، بل شبكة من الاعتراضات المتفرقة. ففي مسألة إيران، الدافع هو صلاحيات الحرب وتكلفة النزاع؛ وفيما يخص أوكرانيا وروسيا، الخوف من فراغ استراتيجي قد تستغله القوى المعادية؛ وفي تايوان، يتعلق الأمر بمصداقية الردع الأمريكي في آسيا. هذه القضايا حساسة دوليًا، إذ يراقبها الحلفاء والخصوم لتقييم ما إذا كانت قبضة ترمب على حزبه كافية لضمان استمرارية قراراته.
من الجدير بالذكر أن السياسة الخارجية الأمريكية لطالما شهدت تباينات بين الرؤساء وأحزابهم، خصوصًا عندما تطول الحروب أو ترتفع تكلفتها. ما يضيفه الترند الحالي هو حدوث هذه التباينات في ظل رئيس بسط قوته عبر فرض الانضباط داخل الحزب.
دروس من خسارة راندي فينسترا في أيوا
فقدان النائب راندي فينسترا، المدعوم من ترمب، في السباق الجمهوري لمنصب حاكم أيوا أمام زاك لان، يُظهر أن تأييد الرئيس لا يضمن النصر دائمًا. فقد أيد ترمب فينسترا قبل أيام من الانتخابات التمهيدية، إلا أن الأخير خسر أمام منافس محافظ من رجال الأعمال والمزارعين.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن ترمب حقق نجاحات في غالبية السباقات التمهيدية الأخرى، ولا أن قاعدته تخلت عنه بالكامل. ما تكشفه هذه الخسارة هو أن ختم ترمب لم يعد ضمانًا مطلقًا في كل منافسة، خصوصًا عندما تتقاطع عوامل محلية مثل الزراعة، التعريفات، أسعار الطاقة، والغضب من الحرب.
وفقًا لمايك ميرفي، الاستراتيجي الجمهوري، قد يظل ترمب “مهيمًا” في الانتخابات التمهيدية، لكنه يواجه ضغطًا أكبر في الانتخابات العامة، حيث يحتاج المرشحون إلى جذب الناخبين المستقلين والمعتدلين إلى جانب القاعدة المتحمسة. ولا يبدو أن ما يحدث يشكل انقلابًا داخل الحزب؛ فالغالبية العظمى لا تزال تخشى غضب ترمب وقدرته على دعم مرشحين في الانتخابات الأولية. والدليل هو تأييد معظم الجمهوريين له في تصويت إيران، بينما يبقى المعترضون أقلية.
ما تغير هو أن الخوف لم يعد كافيًا لإسكات الحسابات السياسية والمؤسسية. مع اقتراب الانتخابات النصفية وتزايد تكاليف الحرب والوقود والهجرة، إضافة إلى التعيينات المثيرة للجدل، بدأ بعض الجمهوريين يبتعدون بمسافة محسوبة من الرئيس: لا انفصال كامل، ولا تمرد شامل، بل اعتراضات محدودة تمنحهم مساحة للنجاة أمام ناخبيهم.





