موسكو وكييف تراهنان على معادلة التصعيد لتحسين موقفهما التفاوضي

04/06/2026 03:00

ما يشهده مسار الحرب الروسية – الأوكرانية لم يعد مجرد مرحلة تصعيد عسكري جديد، بل هو مسعى من الطرفين لفرض معادلة سياسية مختلفة تحت وطأة القتال، في ظل غياب أي أفق واضح لتسوية دبلوماسية. فالهجمات الروسية المكثفة التي طالت كييف ودنيبرو، وما صاحبها من تهديد باستهداف “مراكز صنع القرار”، إلى جانب الرد الأوكراني الذي وصل إلى سان بطرسبرغ، كلها مؤشرات على أن الجانبين يسعيان إلى امتلاك ورقة قوة تعوض تباطؤ التقدم الميداني واستنزاف الموارد.

تصعيد من أجل التفاوض

يرى مراقبون غربيون أن الكرملين يحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوضية، عبر رفع كلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها بهدف دفعهم إلى طاولة المحادثات بشروط أقرب إلى الرؤية الروسية. وبناءً على ذلك، لا تبدو المعادلة الراهنة قائمة على خيار “تصعيد أو تفاوض”، بقدر ما هي “تصعيد من أجل التفاوض”، أو على الأقل من أجل تحسين موقع موسكو التفاوضي إذا عادت المفاوضات إلى الواجهة مرة أخرى.

وهو الطرح نفسه الذي تبناه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي صرّح بأن الضربات الأوكرانية في العمق الروسي تمنح كييف القدرة على التفاوض مع موسكو لإنهاء الحرب من موقع الندية.

قراءات متباينة لنوايا الكرملين

ترى آنا بورشيفسكايا، الباحثة في معهد واشنطن، أن روسيا غالباً ما تتفاوض عبر التصعيد، وأن ما يجري اليوم هو امتداد لهذا السلوك وليس خروجاً عنه. لكنها تحذر، في حديثها لصحيفة “الشرق الأوسط”، من الخلط بين احتمال عودة محادثات السلام وبين وجود نية روسية حقيقية للسلام. فحتى لو توقفت الحرب أو تم تجميدها لسنوات، فإن ذلك لا يعني في تقديرها أن موسكو تخلت عن عدوانيتها تجاه أوكرانيا وأوروبا؛ بل قد يكون مجرد فترة استراحة لإعادة بناء القوة واستئناف الضغط في وقت لاحق.

وتنسجم هذه القراءة مع مؤشرات أوسع. فقد نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤولين أوروبيين قولهم إن الهجمات الروسية المتزايدة تعكس صعوبات عسكرية واقتصادية متفاقمة، وقد تكون محاولة لدفع الغرب إلى إحياء مسار تفاوضي بشروط أقرب إلى الرؤية الروسية. وفي يوم الثلاثاء، تحدث الكرملين عن “نموذج مختلف” للحرب، متّهماً كييف بأعمال “إرهابية”، في خطاب يهدف إلى تبرير موجة جديدة من الضربات، مع إبقاء الباب موارباً أمام إمكانية التفاوض.

تحديات أهداف بوتين بين الواقع والمأزق

من أبرز مؤشرات هذا المأزق، ما نقلته الصحيفة عن الأكاديمي الروسي فاسيلي كاشين، من أن هدف “تصفية النظام المعادي لروسيا” في أوكرانيا لم يعد قابلاً للتحقيق من دون احتلال كامل وطويل الأمد للبلاد، وهو أمر وصفه بأنه “مستحيل تقنياً” بالنسبة لموسكو.

من جهتها، تتعامل بورشيفسكايا بحذر مع فكرة وجود “انشقاق” داخل أروقة الحكم الروسي. وتشير إلى أن معنى المعارضة داخل دائرة الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال ملتبساً عملياً، كما شككت في ما إذا كانت جميع النخب مقتنعة بأن أهداف الحرب أصبحت غير قابلة للتحقيق. لكن من المؤكد أن روسيا باتت مهيأة للحرب “حرفياً ومجازياً”، مع اعتماد متزايد على المجمع الصناعي العسكري الذي أصبح مصدراً للوظائف والمصالح لفئات واسعة.

وبناءً عليه، فإن أي تباينات داخلية محتملة لا ينبغي قراءتها كعلامة على انهيار سياسي وشيك، بل كنقاش حول كيفية إنقاذ مكاسب الحرب وليس التخلي عن منطقها. بوتين قد يكون بحاجة إلى مخرج، لكنه يريد مخرجاً يُقدّم للداخل على أنه انتصار، عبر تثبيت السيطرة على الأراضي المحتلة، ومنع أوكرانيا من الاندماج في تحالفات عسكرية، وتقييد قدراتها الدفاعية.

صورة معقدة في الميدان وفجوة في الدفاع الجوي

ميدانياً، تبدو صورة الحرب أكثر تعقيداً مما ترويه روايتا الطرفين. فروسيا ما زالت قادرة على شن هجمات كثيفة بالصواريخ والمسيّرات، وتواصل الضغط في محاور مثل دونيتسك وبوكروفسك. لكن قدرتها على تحويل هذا الضغط إلى اختراقات استراتيجية تبدو أضعف مما كانت عليه في مراحل سابقة.

ووفق تحليل استند إلى بيانات معهد دراسة الحرب، تقلصت المساحة الخاضعة لسيطرة موسكو في أبريل بنحو 120 كيلومتراً مربعاً، في سابقة هي الأولى منذ نحو عامين ونصف. ورغم أن هذه التغيرات تبقى محدودة، إلا أنها تشير إلى اتجاه ميداني جديد، لا سيما مع نجاح الضربات الأوكرانية بالمسيّرات متوسطة المدى في إرباك خطوط الإمداد الروسية.

وتؤكد قراءات حديثة لمعهد دراسة الحرب أن القوات الأوكرانية حققت تقدماً في بعض الاتجاهات، فيما واصلت روسيا تحقيق مكاسب موضعية في محاور أخرى، مما يعكس حالة حرب استنزاف وليس انهياراً روسياً أو انتصاراً أوكرانياً حاسماً. وتربط تقارير غربية تباطؤ التقدم الروسي بتأثير الضربات الأوكرانية على المصافي وشبكات النقل والإمداد، مما دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات الوقود.

في هذا السياق، يقرأ جون هاردي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، القصف الروسي الواسع لكييف بوصفه محاولة لإظهار القوة في لحظة تواجه فيها موسكو صعوبات على الأرض وفي الجو. ويرى في حديثه لـ”الشرق الأوسط” أن تهديدات ضرب “مراكز صنع القرار” تبدو أقرب إلى رسائل سياسية منها إلى قدرة عملية، لكنها تحمل معنى واضحاً: روسيا قادرة على مواصلة استهداف المدن الأوكرانية لفترة طويلة، خصوصاً مع ازدياد النقص في صواريخ الاعتراض الأميركية من طراز “باك-3”.

وهنا تبرز العقدة الأهم في المرحلة المقبلة: روسيا قد لا تحسم الحرب برياً، لكنها تراهن على إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية وتوسيع الفجوة بين ما تحتاج إليه كييف وما يستطيع الغرب توفيره. وفي هذا السياق، طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مزيداً من صواريخ “باتريوت” بعد الهجمات الروسية الواسعة، في إشارة واضحة إلى أن معركة السماء أصبحت شرطاً لأي صمود ميداني أو تفاوضي. وهنا يصبح التصعيد الروسي جزءاً من معركة سياسية داخل الغرب نفسه: هل يصمد دعم أوكرانيا أمام ضغط الذخائر والتكلفة والاستحقاقات الانتخابية؟ وهل تستطيع كييف تحويل ضرباتها العميقة داخل روسيا إلى ورقة قوة من دون أن تخسر مظلة الحماية فوق مدنها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *