زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة: شراكة اقتصادية استراتيجية تتجاوز التبادل التجاري التقليدي

02/09/2026 11:01

تتجه العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والصين نحو مرحلة أكثر عمقاً، مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة، والتي تأتي في ظل نمو متسارع للتبادل التجاري والاستثماري بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. هذا التقارب، المدعوم بتقارب سياسي متزايد وتوسع كبير في الاستثمارات الصينية داخل السوق المصرية، جعل من بكين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للقاهرة، بل وأكبر مصدر للواردات المصرية.

وتتكامل هذه الشراكة مع مبادرة “الحزام والطريق”، حيث تستفيد من الموقع الاستراتيجي لمصر باعتبارها بوابة رئيسية إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية. كما أن الدور المتنامي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب الشركات الصينية الراغبة في التوسع خارج آسيا يعزز من أهمية هذه العلاقة.

زيارة تاريخية في توقيت دقيق

في هذا السياق، وصف عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الدكتور ضياء حلمي، في حديث خاص لسكاي نيوز عربية، الزيارة الحالية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر بأنها “زيارة تاريخية بكل المقاييس”. وأكد حلمي أن قيمتها وأهميتها تنبعان من توقيتها الدقيق، في ظل وضع إقليمي وعالمي بالغ التعقيد وصراعات جيوسياسية ضخمة ألقت بظلالها وتأثيراتها السلبية على حركة الاقتصاد العالمي.

وأوضح حلمي، في تصريحات خاصة لبرنامج “بزنس مع لبنى” على شاشة سكاي نيوز عربية، أن هذه الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة وغير تقليدية في مسار العلاقات المصرية الصينية، مشيراً إلى أنها تتجاوز صيغ التعاون التقليدية والعبارات الدبلوماسية المعتادة حول دعم وتعزيز العلاقات الثنائية، لتنتقل بالبلدين إلى مستوى أعمق وأكبر من العمل الفعلي والواقعي على الأرض. كما شدد على أن الرسائل المتبادلة خلال الزيارة بالغة الأهمية ويلتقطها العالم بأسره بدقة.

فلسفة المقال الرئاسي والرهان على مصر

وأشار حلمي إلى المقال المهم الذي نشره الرئيس الصيني شي جين بينغ في جريدة “الأهرام” الحكومية المصرية، مؤكداً أن قراءة هذا المقال بتمعن تكشف عن “فلسفة ما وراء الكلام”. وأوضح أن الرئيس الصيني يعول ويراهن بشكل أساسي على مصر لاهتمامه بالسوقين العربي والإفريقي. ولفت حلمي إلى دلالة تقديم الرئيس الصيني للسوق العربي على الإفريقي في مقاله، مبيناً أنه حين يتحدث القادة بمعيار الأهمية فإن الترتيب يوضح الأولويات؛ وبالتالي فإن بكين ترى في مصر نافذة حيوية واستراتيجية تطل منها على العالم العربي، وإفريقيا، بل والأسواق الأوروبية عبر الاتفاقيات التجارية الموقعة.

حجم التبادل التجاري يتجاوز 20 مليار دولار

أظهرت بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أن حجم التبادل التجاري بين القاهرة وبكين بلغ نحو 20.8 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 17.4 مليار دولار في عام 2024، بنمو يقترب من 20 بالمئة، مما يعكس الزخم المتزايد في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وتشمل أبرز الصادرات المصرية إلى الصين: الحاصلات الزراعية، والطاقة والوقود، والأسمدة والكيماويات، والمنسوجات والملابس، ومواد البناء وبعض الخامات الصناعية. في المقابل، تستورد مصر من الصين: الآلات والمعدات الصناعية، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ووسائل النقل، ومستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة للصناعة. ورغم نمو التجارة الثنائية، لا يزال الميزان التجاري يميل بشدة لصالح الصين، مع تجاوز الواردات المصرية من الصين 18 مليار دولار مقابل صادرات مصرية أقل بكثير.

الاستثمارات الصينية تتوسع وقناة السويس محور رئيسي

إلى جانب التجارة، أصبحت الاستثمارات الصينية أحد أبرز محركات العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فقد تجاوزت الاستثمارات الصينية المباشرة في مصر حاجز 10 مليارات دولار، مع توقعات بارتفاعها خلال السنوات المقبلة بفضل التوسع في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. وتعتبر منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية “تيدا” في العين السخنة من أبرز النماذج الناجحة للتعاون الاستثماري بين البلدين، حيث استقطبت عشرات الشركات الصينية العاملة في الصناعات الهندسية والكيماوية ومواد البناء والطاقة الجديدة. وفي يوليو 2025، وقعت “تيدا مصر” اتفاقاً لتوسيع المنطقة الصناعية بنحو 2.86 كيلومتر مربع، ما رفع إجمالي المساحة المخصصة للمشروع إلى ما يقرب من 10 كيلومترات مربعة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتحولت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى إحدى أهم نقاط الارتكاز للاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط وإفريقيا. وتستهدف الشركات الصينية استخدام مصر كمركز صناعي ولوجستي للتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بعدد كبير من الأسواق العالمية. ويرى مسؤولون ومحللون أن هذا النموذج يتيح للصين تقليل تكاليف الإنتاج والتصدير، بينما يوفر لمصر فرص عمل جديدة ونقل التكنولوجيا وتعزيز القاعدة الصناعية المحلية.

تعاون يتجاوز التجارة التقليدية ويمتد للتكنولوجيا والطاقة

لم يعد التعاون المصري الصيني مقتصراً على التجارة والاستثمار التقليديين، بل امتد إلى قطاعات جديدة تشمل: الطاقة المتجددة، والنقل والبنية التحتية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وتسعى القاهرة للاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات التصنيع المتقدم والتحول الرقمي، فيما تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكاً رئيسياً في توسعها الاقتصادي بالقارة الإفريقية.

القوة الاستهلاكية للسوق المصري ومصر كخطة بديلة

وقال الدكتور ضياء حلمي، في حديث خاص لسكاي نيوز عربية، إن الصين تراهن أيضاً على جزئية بالغة الأهمية قد تغيب عن البعض، وهي القوة الاستهلاكية الضخمة للسوق المحلي المصري الذي يتجاوز عدد سكانه ومستهلكيه حاجز الـ 120 مليون نسمة. وأوضح أن هذا السوق المحلي العملاق يستوعب سنوياً معدلات استهلاك ضخمة، لاسيما في قطاع السيارات والأجهزة الكهربائية والمنزلية.

وأضاف حلمي أن الصين تتحسب بشكل استباقي لاحتمالية إغلاق بعض الأسواق العالمية أمام منتجاتها في مناطق أخرى، وبالتالي تعتمد على مصر ضمن “الخطة البديلة” (Plan B) للبحث عن أسواق ومستهلكين جدد بنوع من الذكاء الصيني الاقتصادي. وأشار إلى أن هذا التوجه يلتقي مع المصالح المشتركة لمصر، حيث تمنح الاتفاقيات التجارية المبرمة لمصر أفضلية كبرى؛ إذ إن أي منتج يخرج من الأراضي المصرية يستفيد من الإعفاءات والمزايا الجمركية التي تتيحها الاتفاقيات الإقليمية المشتركة، مثل اتفاقية “أغادير” لدول شمال إفريقيا، واتفاقية “إيكواس” لدول غرب إفريقيا، واتفاقية “الكوميسا” لدول جنوب وشرق إفريقيا. واختتم حلمي تصريحاته مؤكداً أن هذا التكامل التجاري يمنح الصين والمنتج المصنع في مصر نفاذاً آمناً وسهلاً إلى سوق إفريقي عملاق تراهن عليه بكين بنسبة 100%.

آفاق مستقبلية واعدة

مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تبدو الشراكة الاقتصادية المصرية الصينية مرشحة لمزيد من التوسع، خاصة مع تنامي الاستثمارات الصناعية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وارتفاع حجم التجارة الثنائية، واتجاه البلدين إلى تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي. وبينما تمثل الصين أحد أهم المستثمرين والشركاء التجاريين لمصر، تظل زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية وتقليص الفجوة التجارية من أبرز التحديات والملفات المطروحة على أجندة التعاون الاقتصادي بين الجانبين خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *