غالباً ما يُختزل تاريخ الذكاء الاصطناعي في أسماء لامعة مثل آلان تورينغ وآلته الحاسبة، أو جون فون نيومان الذي يُعد الأب الفكري للحواسيب القابلة للبرمجة، أو حتى رواد مؤتمر دارتموث كجون مكارثي ومارفن مينسكي. لكن هناك شخصية أخرى لا تقل عبقرية، تظل مهمشة أو مصنفة ضمن الرواد من الدرجة الثانية: نوربرت فينر، مؤسس علم السيبرانية في أربعينيات القرن العشرين.
ويرى بعض المختصين أن تطبيقات مثل “تشات جي بي تي” و”كلود” ما هي إلا امتداد مباشر لأفكار فينر. لكن يبقى السؤال: هل كان فينر، بمواقفه الأخلاقية والسياسية والعلمية، ليعترف بأبوته للنماذج اللغوية الكبرى الحديثة؟
طفولة معجزة ومسيرة استثنائية
وُلد نوربرت فينر في 26 نوفمبر 1894 في مدينة كولومبيا بولاية ميزوري الأمريكية، لعائلة يهودية مهاجرة من أوروبا. والده ليو فينر، أستاذ اللغات السلافية من أصل ليتواني، كان شديد الصرامة، وتعامل مع ابنه كما لو كان مشروعاً شخصياً، وفق ما يرويه الفيلسوف بيير كاسو-نوغيس، الأستاذ في جامعة باريس 8 ومؤلف كتاب “أحلام نوربرت فينر السيبرانية”.
وبفضل تربيته الصارمة، أصبح فينر طفلاً معجزة في العلوم. تعلم القراءة قبل سن الرابعة، وحصل على ما يعادل شهادة الثانوية العامة في الحادية عشرة، ونال جائزة في الرياضيات في الرابعة عشرة، قبل أن يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد في الثامنة عشرة. وبعد سنوات قليلة، عينه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أستاذاً، ليصبح أحد أصغر الأساتذة في تاريخ المعهد.
السيبرانية: علم شامل يربط الإنسان والآلة
بعد الحرب العالمية الثانية، طور فينر أفكاره التي كان لها تأثير واسع في مجالات متعددة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات وأنظمة التحكم الآلي والأنظمة متعددة الوكلاء، وفق فيليب ماتيو، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليل. فقد وضع أسس علم السيبرانية منذ عام 1943 في مقال تأسيسي، ثم عرضه بالتفصيل في كتابه “السيبرانية: التحكم والتواصل في الكائنات الحية والآلات” الصادر عام 1948.
ويشرح بيير كاسو-نوغيس أن السيبرانية تدرس “ظواهر التحكم ونقل المعلومات بالطريقة نفسها لدى الإنسان والحيوان والآلة”. وبمعنى آخر، رأى فينر وأنصاره أنه من الممكن إقامة أوجه تشابه بين طريقة معالجة الدماغ البشري للمعلومات وطريقة معالجة الآلات للبيانات.
وخلال الحرب العالمية الثانية، ألهمت هذه المبادئ فينر لتطوير نظام دفاع جوي مضاد للطائرات من نوع جديد، قادر على التكيف في الزمن الحقيقي مع حركة الصواريخ والطائرات، والتعلم من أخطائه. وهو ما يُعد من أولى البدايات لما يُعرف اليوم باسم التعلم الآلي.
ويرى رودولف زايسينغ، المتخصص في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بالمتحف الألماني في ميونيخ، أن السيبرانية “تمثل نوعاً من العلوم الشاملة، إذ تجمع بين الرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء، فضلاً عن علم النفس والعلوم الاجتماعية”. وربما يفسر هذا الطابع متعدد التخصصات سبب اقتران اسم فينر بدرجة أقل بتاريخ الذكاء الاصطناعي مقارنة بآلان تورينغ أو فون نيومان.
تأثير غير مباشر على الذكاء الاصطناعي الحديث
بحسب ماتيو تريكلو، المتخصص في تاريخ التكنولوجيا بجامعة بلفور مونتبليار للتكنولوجيا، فإن التأثير غير المباشر للسيبرانية على الذكاء الاصطناعي كان بالغ الأهمية. فبين عامي 1946 و1953، جمعت “مؤتمرات ماسي” نخبة من العلماء المهتمين بأفكار فينر، ومن بينهم جون فون نيومان وكلود شانون، الذين كانوا يعدون أنفسهم من أنصار السيبرانية. كما كان من بين مؤسسي هذه المؤتمرات عالم النفس جوزيف كارل روبنيت ليكلايدر، الذي وصفه تريكلو بأنه “إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ المعلوماتية الأمريكية”.
وتولى ليكلايدر لاحقاً إدارة وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (داربا)، حيث لعب دوراً أساسياً في تمويل وتطوير شبكة الإنترنت، واهتم في ستينيات القرن الماضي بتطوير تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة. وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أشرف فينر على أعمال الباحث والتر بيتس، الذي وضع إلى جانب وارن ماكولوتش الأسس الأولى لنماذج الشبكات العصبية الاصطناعية في أربعينيات القرن الماضي.
وتعد هذه الأعمال، التي انبثقت من السيبرانية، أساسية لفهم النماذج اللغوية الكبرى المستخدمة اليوم. فإذا كانت السيبرانية نفسها تبدو اليوم وكأنها أصبحت جزءاً من تاريخ العلوم، فإنها مهدت الطريق لظهور الشبكات العصبية، ومنها نشأ التيار المعروف بـ”الاتجاه الترابطي” الذي يشكل القلب النابض للذكاء الاصطناعي الحديث، بما في ذلك “تشات جي بي تي” وسائر تطبيقات القرن الحادي والعشرين.
تحذيرات مبكرة من مخاطر الأتمتة
لم يقتصر إسهام فينر على توفير البيئة الفكرية التي نشأ فيها الذكاء الاصطناعي، بل كان أيضاً من أوائل من حذروا من مخاطره. فهذا الرياضي المعروف بطباعه الحادة ونوبات غضبه الشهيرة، أدرك مبكراً الأخطار التي قد تنجم عن بعض الأبحاث العلمية، ورفض المشاركة في مشروع مانهاتن الذي أفضى إلى تطوير أول قنبلة ذرية.
وبعد قصف هيروشيما وناغازاكي، نشر فينر رسالة مفتوحة شهيرة أعلن فيها عزمه التخلي عن الرياضيات بعدما أدرك أن أبحاثه قد تستخدم في تطوير أسلحة دمار شامل، وفق بيير كاسو-نوغيس. وقد حظيت هذه الخطوة بدعم ألبرت أينشتاين.
وفي الوقت نفسه، رأى فينر منذ عام 1948 إمكانية قيام مجتمع يعتمد بالكامل تقريباً على الأتمتة، وهي تطورات قد تقود البشرية إما إلى عالم يتحرر فيه الإنسان من عبء العمل، أو إلى جحيم اجتماعي تسوده البطالة الجماعية. وانطلاقاً من ذلك، خلص إلى أنه لا ينبغي له التخلي عن أبحاثه، بل مواصلة العمل للتأثير في مسار هذا المجال العلمي.
وكان فينر، الذي صنف في كثير من الأحيان ضمن التيار اليساري، واشتبهت السلطات الأمريكية خلال الحرب الباردة في تعاطفه مع المعسكر السوفييتي، من أوائل من حذروا من التداعيات الاجتماعية المرتبطة بظهور الآلات. وفي هذا السياق، يرى ماتيو تريكلو أن “السيبرانية مشروع سياسي بامتياز، تحركه أيضاً مخاوف من بطالة تكنولوجية قد تسببها الآلات التي تحل محل العمال”. ويضيف أن “المثير للدهشة هو قراءة هذه الأفكار منذ عام 1947، في وقت كانت فيه الحواسيب لا تزال نادرة للغاية”.
ويرى فينر أن هذا الخطر لن يتحقق إلا “إذا وقعنا في الاستخدام اللاإنساني للبشر”. وبعبارة أخرى، يعتقد أن الروبوتات لا يمكنها أن تحل محل البشر، إلا إذا اختزلنا البشر إلى مجرد روبوتات من خلال إنكار كل ما يميز بين البشر والآلة. ورغم أن مصطلح “السيبرانية” لم يعد متداولاً اليوم كما في الماضي، فإن أفكار مؤسسها تبدو أكثر ملاءمة لعصرنا من أي وقت مضى، في ظل لجوء شركات كثيرة إلى الترويج لانتصار الذكاء الاصطناعي لتبرير موجات تسريح الموظفين.





