نقوش صخرية في السعودية تكشف تفاصيل الحياة في المجتمع الإسلامي المبكر

26/07/2026 12:43

تُسلّط النقوش الصخرية التي تعود إلى بدايات العصر الإسلامي، والتي جرى اكتشاف أعداد كبيرة منها في مناطق متفرقة من السعودية خلال السنوات الأخيرة، ضوءاً جديداً على فهم المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي. ولا تقتصر أهمية هذه النقوش على تسجيل أسماء أو أحداث فحسب، بل تمتد إلى توثيق جوانب من الحياة الاجتماعية والدينية، ومسارات الحج والتجارة، وتطور الكتابة العربية، إلى جانب تقديم معلومات لم ترد في كثير من المصادر الإسلامية الكلاسيكية.

اكتشافات أثرية واسعة النطاق

أعلنت هيئة التراث السعودية خلال السنوات الأخيرة عن اكتشاف آلاف الشواهد الأثرية في عدة مناطق بالمملكة، لا سيما في المدينة المنورة (غرب)، والعلا وتبوك (شمال غرب)، ونجران (جنوب)، من بينها نقوش إسلامية مبكرة تتضمن آيات قرآنية وأسماء شخصيات من صدر الإسلام، مثل نقش يحمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب. وفي يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت الهيئة توثيق 1774 مكتشفاً أثرياً في منطقة المدينة المنورة، شملت عدداً كبيراً من هذه النقوش، ضمن مشروع وطني لحصر وتسجيل المواقع الأثرية.

وتأتي هذه الاكتشافات في إطار مسوحات أثرية أوسع كشفت، خلال الفترة بين عامي 2020 و2024، عن آلاف النقوش والرسوم الصخرية في مناطق مثل حائل (شمال)، والعلا وخيبر (شمال غرب)، حيث وثّقت بعثات سعودية ودولية نقوشاً تعود إلى فترات ما قبل الإسلام وبداياته، بعضها يحمل صيغاً دينية مبكرة وكتابات بالخط العربي الأول. كما أعلنت هيئة التراث في بيانات متفرقة خلال تلك الفترة تسجيل أكثر من 8 آلاف موقع أثري جديد في المملكة، مما يعكس اتساع رقعة الاكتشافات وأهمية النقوش كمصدر مادي متجدد لدراسة تاريخ الجزيرة العربية والمجتمع الإسلامي المبكر.

النقوش: مصدر أولي لدراسة صدر الإسلام

ويقول عالم الاجتماع التركي والباحث المتخصص في علم النقوش، مفيد يوكسل، للأناضول، إن هذه النقوش “تمثل مصدراً أولياً بالغ الأهمية لدراسة صدر الإسلام، لأنها تقدم شواهد مباشرة تركها أشخاص عاشوا في تلك الفترة”. ويوضح أن “جانباً مهماً منها يتألف من أدعية قصيرة وآيات قرآنية وصيغ للتوحيد والإيمان، بينما تتضمن أخرى أسماء أصحابها وأنسابهم وقبائلهم وعائلاتهم”. ويرى يوكسل أن هذه المعطيات “تساعد على فهم البنية الاجتماعية للمجتمع الإسلامي المبكر، وما ارتبط بها من طرق التجارة وقوافل الحج والمظاهر الدينية واليومية”.

ويشير يوكسل إلى أن “انتشار النقوش في أنحاء الجزيرة العربية يرتبط بموقع المنطقة التاريخي كمركز لحركة التجارة والقوافل والأسفار”. ويوضح أن “الطريق الممتد بين دمشق وصنعاء كان يشكل فرعاً جنوبياً لطريق الحرير، وكانت القوافل تعبره من بلاد الشام إلى الحجاز واليمن وبالعكس”. وطريق الحرير هو شبكة قديمة من المسارات التجارية البرية والبحرية ربطت الشرق بالغرب، وامتدت من الصين عبر آسيا الوسطى والهند والشرق الأوسط إلى أوروبا وشمال إفريقيا.

ويضيف يوكسل أن “مكة المكرمة والمدينة المنورة كانتا مركزين رئيسيين في الحجاز، إذ برزت مكة مركزاً تجارياً، بينما عُرفت المدينة أيضاً بنشاطها الزراعي”. كما ارتبطت الطرق البرية بموانئ ينبع وجدة على البحر الأحمر، والحديدة وعدن في اليمن، ومنها انطلقت السفن نحو شرق إفريقيا وإثيوبيا والسودان والهند وشبه القارة الهندية، وفق يوكسل. ويقول إن هذا النشاط “أدى إلى زيادة حركة السكان والمسافرين، مما يفسر انتشار النقوش على الطرق التي سلكتها القوافل، حيث اعتاد كثير من العابرين ترك كتابات أو رسائل على الصخور”.

تطور الخط العربي وشواهد ما قبل الإسلام

ويلفت يوكسل إلى أن “بعض النقوش سبق ظهور الإسلام بـ4 أو 5 قرون، وكُتب بلغات وأبجديات متعددة، منها الآرامية والصفائية والثمودية والنبطية وخط المسند في جنوب الجزيرة العربية، فضلاً عن نقوش يونانية في شمالها”. ويؤكد أن النقوش “تمثل مادة علمية مهمة لدراسة تطور الخط العربي، الذي نشأ في إطار تطور الخط النبطي المرتبط بدوره بالخط الآرامي”. ويوضح أن ملامح الكتابة العربية بدأت تتبلور قبل الإسلام بنحو 200 إلى 250 عاماً، وأن المرحلة الأولى شهدت ظهور ما يعرف بـ”الخط الحجازي”، قبل تطور الخطين المدني والكوفي. وتتيح النقوش للباحثين تتبع التحولات التي طرأت على اللغة والإملاء وأشكال الحروف عبر فترات زمنية مختلفة، بحسب يوكسل.

ويشير إلى أن قيمة النقوش لا تقتصر على الأسماء والتواريخ، بل تشمل تفاصيل الحياة اليومية، إذ تضم أدعية وعبارات شخصية وسلاسل أنساب وإشارات إلى الرحلات والحج وبعض الغزوات ورسائل مقتضبة. ويقول يوكسل إن “بعض النقوش يكشف تفاعلاً بين أصحابها، إذ عُثر على كتابات تمثل ردوداً على نقوش سابقة، وأخرى تتضمن نقاشات أو عبارات هجائية متبادلة”. ويضيف: “هذه النقوش ليست نصوصاً تروي أحداثاً تاريخية كبرى فحسب، بل تساعدنا على معرفة الأشخاص الذين عاشوا في تلك الفترة، وأماكن قدومهم، والجهات التي قصدوا السفر إليها، وانتماءاتهم الاجتماعية”.

ويشير يوكسل إلى أن “نسبة كبيرة من نقوش العصر الإسلامي المبكر تتضمن أسماء وأنساباً، مما يتيح مقارنتها بالمعلومات الواردة في كتب الرجال والطبقات والسيرة”. ويوضح أن بعض النقوش “يسجل نسب أصحابه عبر أجيال، ويتضمن معلومات عن القبيلة والعائلة والانتماء الاجتماعي، وقد يساعد في تصحيح قراءة أسماء وردت في المصادر التراثية أو تحديد هوية أصحابها بدقة أكبر”. ويلفت إلى أن “بعض المصادر أوردت أسماء رواة للحديث بصورة غير دقيقة، بينما تقدم النقوش تفاصيل أوسع عن أنسابهم وقبائلهم، مما قد يساعد الباحثين على التعرف إليهم بوضوح أكبر”. ويشدد على أن النقوش “ليست بديلاً عن المصادر الإسلامية الكلاسيكية، بل مصادر أولية مكملة قد تسهم في استكمال الصورة التاريخية وإعادة تقييم بعض المعلومات”.

شواهد اجتماعية وامتداد خارج الجزيرة العربية

ويلفت يوكسل إلى أن بعض النقوش يعود إلى عبيد أُعتقوا، وأن ألفاظاً مثل “مولى” و”غلام” و”فتى” تقدم مؤشرات على حالة أصحابها الاجتماعية. ويشير إلى أن عدداً من النقوش المنسوبة إلى عبيد أو معتقين كُتب بخط متقن، مما يرجح أن بعضهم، ولا سيما القادمين من مناطق النفوذ البيزنطي أو الساساني شمال الجزيرة العربية، عملوا كتبة قبل الإسلام أو في بدايات العصر الإسلامي. ويرى أن هذه المعطيات “تفتح آفاقاً لدراسة العلاقة بين الرق والتحرر والتعليم وثقافة الكتابة في المجتمع الإسلامي المبكر”.

ويذكر يوكسل أن بعض العائلات “تركت نقوشاً متتابعة في المناطق نفسها عبر أجيال، بينها أسر من أحفاد الخليفة عمر بن الخطاب، والصحابيين الزبير بن العوام وكعب بن مالك”. كما “عُثر على نقوش يُعتقد أنها تعود إلى الصحابيين أبي اليسر وأبي سبرة، وهما من المشاركين في غزوة بدر، وأخرى يرجح أنها تخص أبناءهما وأحفادهما” بحسب يوكسل. ويلفت كذلك إلى “نقوش عائلية يُعتقد أنها تعود إلى أحفاد أبي لهب (عم الرسول محمد)”، معتبراً أنها “تقدم شواهد مادية على تحولات اجتماعية ودينية تناولتها المصادر الإسلامية بصورة عامة”.

ويشير يوكسل إلى “نقش سابق للإسلام اكتُشف في الطائف، ويُرجح أنه يعود إلى شخص يدعى حنظلة بن عبد عمرو، ويتضمن عبارة باسمك ربنا”. ويوضح أن النقش “يقدم نموذجاً للعبارات الدينية وثقافة الكتابة قبل الإسلام، ويدعم الرأي القائل إن المجتمع العربي آنذاك لم يكن قائماً على الثقافة الشفوية وحدها”. ويشير يوكسل إلى وجود نقوش عربية في مدينة كنيدوس الأثرية بولاية موغلا جنوب غربي تركيا، ترتبط بغزوات للمسلمين في بدايات العصر الإسلامي، مما يعكس امتداد الشواهد الكتابية المبكرة إلى مناطق خارج الجزيرة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *