يشهد التعليم العالي في السعودية تحولاً نوعياً تحت إطار رؤية المملكة 2030، التي تجعل الجامعات كأساس لبناء اقتصاد المعرفة وتعزيز الابتكار وتنمية رأس المال البشري. وقد أحرزت الجامعات السعودية تقدمًا واضحًا في الاعتمادات الأكاديمية والتصنيفات العالمية ومخرجات البحث، وهي إنجازات وطنية تعكس مستوى الدعم المقدم لقطاع التعليم والبحث والابتكار.
لكن يطرح سؤال استراتيجي مهم: هل تحولت مؤشرات الأداء العالمية إلى هدف بحد ذاتها، أم أنها ما زالت أداة لتحقيق رسالة الجامعة في خدمة الوطن ودفع التنمية؟
من إدارة المؤشرات إلى إدارة الأثر
لقد ساهمت التصنيفات العالمية في رفع مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز التنافسية على الساحة الدولية، لكنها تعتمد إلى حد كبير على مقاييس كمية مثل عدد البحوث المنشورة وعدد الاستشهادات. ومع مرور الوقت، بات قياس النجاح البحثي يركز على حجم الإنتاج أكثر من تأثيره الفعلي، بينما تكمن القيمة الحقيقية للبحث في قدرته على حل التحديات الوطنية، دعم عمليات اتخاذ القرار، وتحويل المعرفة إلى حلول تقنية ومنتجات وسياسات عامة.
التحديات الحالية في نظام التقييم
عندما يربط التقييم الأكاديمي والحوافز بعدد البحوث المنشورة قد يؤدي، دون قصد، إلى تفضيل الكم على الجودة، وليس الخطأ في الباحث نفسه بل في نظام الحوافز والمؤشرات التي توجه السلوك الأكاديمي.
مقترحات لتطوير نظام تقييم وطني
من هنا يصبح ضروريًا وضع أساليب تقييم تقيس الأثر الحقيقي للبحث، عبر الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما حجم إسهام الأبحاث في تحقيق أهداف رؤية 2030؟ كم تقنية جرى تطويرها أو توطينها؟ كم براءة اختراع تحولت إلى منتج أو شركة ناشئة؟ وما العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار في البحث العلمي؟
يمكن أن يرافق ذلك إنشاء هيئة وطنية مستقلة لتقييم البحث الاستراتيجي، تشرف عليها جهة مختصة مثل مجلس شؤون الجامعات أو هيئة البحث والتطوير والابتكار، وفقًا لمعايير موحدة تقيس جودة المخرجات، الالتزام بالنزاهة العلمية، صلة بالأولويات الوطنية، والتأثير التنموي والاقتصادي، ما يساعد في توجيه التمويل والحوافز نحو البحوث ذات الجودة العالية والأثر الكبير.
إن التصنيفات العالمية والاعتمادات الأكاديمية ومخرجات البحث أدوات هامة، لكنها ليست الغاية النهائية. فالجامعة التي يُقاس أداؤها بمدى مساهمتها في خدمة الوطن، وبناء الكفاءات، وإنتاج المعرفة المؤثرة، تكون أكثر قدرة على تحقيق التميز العالمي بشكل مستدام. وبذلك نكون قد انتقلنا من تقييم الجامعات وفق المؤشرات إلى تقييمها وفق الأثر.





