القاعدة الأساسية بسيطة: ما نكافئ عليه المؤسسات، ستسعى إلى إنتاجه.
إذا كان التمويل يكافئ عدد الزيارات والفحوصات والإجراءات والعمليات، يصبح حجم النشاط محركاً للنظام. وإذا كان يكافئ خفض التكلفة وحده، قد يتحول تقليل الإنفاق إلى هدف بحد ذاته. أما إذا ارتبط التمويل بجودة الرعاية ونتائجها وتجربة المريض وكفاءة استخدام الموارد، يتحول السؤال من “كم خدمة قدمنا؟” إلى “ماذا حققنا للمريض؟”.
من تمويل الخدمة إلى تمويل القيمة
هذا التحول يمثل أحد أهم وأدق مراحل reform الصحي في المملكة: الانتقال من دفع ثمن الخدمة إلى دفع ثمن القيمة.
للتوضيح، يمكن النظر إلى تجارب سبقتنا.
في الولايات المتحدة، أدخل برنامج Medicare في الثمانينيات نظام الدفع الاستباقي للمستشفيات عبر مجموعات التشخيص (DRGs). بدلاً من أن يزداد دخل المستشفى مع طول إقامة المريض أو زيادة الخدمات، أصبح الدفع مربوطاً بنوع الحالة وتعقيدها.
نتج عن ذلك تقليل مدة الإقامة وتحسين استخدام الموارد، لكنه أظهر أن تغيير طريقة الدفع لا يكفي وحده لصنع القيمة. برزت أسئلة حول إعادة الدخول، جودة الرعاية، وما يحدث للمريض بعد الخروج.
لذلك لم تتوقف التجربة عند DRGs؛ ظهرت برامج تربط جزءاً من التمويل بالجودة، وتعالج معدلات إعادة الدخول المرتفعة، وتطبق نماذج الرعاية المسؤولة والمدفوعات المجمعة.
الدرس الواضح: تحسين كفاءة الفاتورة لا يعني بالضرورة أننا ندفع مقابل القيمة.
دروس من التجارب الدولية
في بريطانيا، استخدمت هيئة الخدمات الصحية الوطنية لسنوات آليات تربط التمويل بحجم النشاط، ثم تطورت إلى مزيج من طرق الدفع؛ فهناك خدمات تناسبها الدفع المرتبط بالنشاط، وأخرى تحتاج إلى تمويل ثابت، وأخرى تستفيد من الجمع بين الاثنين.
السبب منطقي: ما يناسب عملية جراحية محددة قد لا يناسب مريض سكري يحتاج متابعة لسنوات، أو مريض صحة نفسية، أو الرعاية المنزلية أو المجتمعية.
بهذا نستنتج أن لا توجد طريقة دفع واحدة تصلح لكل الرعاية الصحية.
تجربة أستراليا مهمة لنا لأنها تستخدم نظام Australian Refined DRGs، الذي اعتمده مجلس الضمان الصحي السعودي ضمن تطبيق الحزم التشخيصية في سوق التأمين.
لكن التجربة الأسترالية لم تقف عند سؤال “كم تكلف هذه الحالة؟” بل ظهر سؤال آخر: “ماذا لو كانت بعض هذه التكلفة نتيجة مضاعفات كان يمكن منعها؟”
لذلك أدخلت تعديلات على التمويل ترتبط ببعض المضاعفات المكتسبة داخل المستشفى وبعض حالات إعادة الدخول التي يمكن تجنبها، مع مراعاة اختلاف خطورة المرضى وتعقيد حالاتهم.
نتيجة ذلك لم يعد المطلوب فقط علاج المريض بتكلفة أكثر كفاءة، بل أصبحت جودة ما يحدث أثناء العلاج جزءاً من المعادلة المالية نفسها. وتشير دراسة أسترالية حديثة في 2026 إلى انخفاض ملحوظ في بعض المضاعفات في الجهات التي طُبقت فيها تعديلات التمويل المرتبطة بالجودة، وإن كانت النتائج ما زالت تستحق مزيداً من التقييم.
من جهة أخرى، تقدم هولندا درساً مختلفاً؛ فقد استخدمت المدفوعات المجمعة في رعاية بعض الأمراض المزمنة بهدف تحسين تكامل الخدمة، وظهرت بعض النتائج الإيجابية، لكن خفض التكلفة لم يتحقق دائماً كما كان مأمولاً، خصوصاً لدى المرضى الذين يعانون أمراضاً متعددة.
التحول السعودي ومعايير قياس القيمة
هذه التجارب تعيدنا إلى قاعدة مهمة: طريقة التمويل تصنع حوافز، والحوافز تصنع سلوكاً.
وهو مبدأ يجب أن نتذكره أثناء إعادة بناء تمويل الرعاية الصحية في المملكة.
التحول الجاري أكبر من تطوير المستشفيات أو إنشاء التجمعات الصحية؛ نحن أمام إعادة تشكيل لأدوار المنظومة: تتجه وزارة الصحة أكثر نحو التنظيم والإشراف، ويتولى مركز التأمين الصحي الوطني تمويل الخدمات للمستفيدين، بينما تتولى شركة الصحة القابضة والتجمعات الصحية تقديم الرعاية، مع توجه التجمعات نحو نموذج منظمات الرعاية الصحية المسؤولة.
في القطاع الذي ينظمه مجلس الضمان الصحي، أصبحت الرعاية المبنية على القيمة جزءاً واضحاً من التوجه الاستراتيجي، إلى جانب تطبيق DRGs والعمل على نماذج مثل المدفوعات المجمعة والتعاقدات المبنية على القيمة.
لكن هذا التطور يطرح سؤالاً ملحاً: كيف سنعرف أننا حققنا القيمة؟
هل يكفي أن تنخفض تكلفة الحالة؟ أم أن تقل مدة الإقامة؟ أم أن يرتفع عدد المرضى الذين يمرون بالعيادات؟ بالطبع لا.
ينبغي أن نعرف أيضاً: هل تحسنت نتائج المرضى؟ هل انخفضت المضاعفات التي يمكن تجنبها؟ هل قلت العودة غير الضرورية إلى المستشفى؟ هل تحسنت تجربة المريض؟ وهل أصبح انتقاله بين الرعاية الأولية والمستشفى والمنزل أكثر تكاملاً؟
هناك طرف في المعادلة ن risk ننساه عندما ننشغل بالتمويل والمؤشرات: الطبيب والممارس الصحي.
لذلك لفت انتباهي في النموذج السعودي أن الأهداف المعلنة للرعاية الصحية المستقبلية لم تقتصر على تحسين تجربة المريض، والرعاية المبنية على القيمة، وتحسين صحة السكان، بل وضعت إلى جانبها هدفاً رابعاً هو زيادة الرضا الوظيفي.
هذا ليس تفصيلاً صغيراً؛ فلا يمكن بناء قيمة صحية مستدامة على قوى عاملة مستنزفة.
يمكن أن نرفع إنتاجية العيادة بزيادة عدد المرضى الذين يراهم الطبيب، لكن بعد نقطة يصبح السؤال واجباً: هل بقي لديه الوقت ليستمع إلى المريض ويفحصه ويشرح له؟
يمكن أن نخفض بعض تكاليف التشغيل، لكن ما إذا كان ذلك ينعكس على الاحتراق الوظيفي أو الأخطاء أو استمرارية الرعاية؟
يمكن أن نقلل مدة بقاء المريض في المستشفى، وهذا أمر جيد عندما يكون الخروج آمناً، لكنه يفقد معناه إذا عاد المريض بعد أيام لأن خروجه كان مبكراً، أو لأن أسرته لم تحصل على التعليم والدعم الكافيين.
إذن القيمة ليست أرخص رعاية، ولا أكثر رعاية. إنها الرعاية المناسبة للمريض المناسب، في الوقت والمكان المناسبين، بنتائج صحية أفضل، واستخدام رشيد للموارد، ومن خلال قوى عاملة صحية قادرة على الاستمرار في العطاء.
وبالتالي، السؤال الذي ينبغي أن يرافق المرحلة القادمة من التحول الصحي ليس فقط: كم ننفق على الصحة؟ بل الأهم هو: ماذا نشتري بهذا الإنفاق؟
هل نشتري زيارات وفحوصات وعمليات وأيام تنويم؟ أم نشتري مريض سكري لا يصل إلى الفشل الكلوي، ومريض قلب يعيش سنوات أطول بجودة حياة أفضل، وأمًا تغادر المستشفى بطفل سليم، ومريضًا لا يعود إلى الطوارئ بعد أيام لأن خروجه كان آمناً ومنظماً؟
وهل نشتري، في الوقت نفسه، بيئة يستطيع فيها الطبيب والممارس الصحي أن يقدم هذه الرعاية وهو يشعر أن وقته وخبرته وجهده موضع تقدير؟
تجارب الدول التي سبقتنا تقول إن كل طريقة للدفع تخلق سلوكاً، وكل نظام تمويلي، مهما بدا جيداً على الورق، يحتاج إلى المراجعة عندما تظهر نتائجه على أرض الواقع.
لدينا ميزة مهمة: لسنا مضطرين إلى اكتشاف كل الأخطاء بأنفسنا؛ أمامنا عقود من التجارب الأمريكية والبريطانية والأسترالية وغيرها؛ نستفيد مما نجح، ونتجنب ما أخفق، ثم نبني ما يناسب مجتمعنا واحتياجاتنا وإمكاناتنا.
الهدف ليس أن نصنع نسخة سعودية من نظام صحي آخر، بل أن نبني نموذجاً سعودياً يأخذ من تجارب العالم أفضل ما فيها، دون أن يفقد أولوياته أو هويته.
عندها لن يكون نجاح التحول في تمويل الصحة أننا غيرنا طريقة حساب الفاتورة، بل أن تتفق طريقة الدفع والمؤشرات والحوافز وسلوك المؤسسات على غاية واحدة: أن تكون صحة الإنسان هو العائد الحقيقي على كل ريال ننفقه.





