الهجوم على مصفاة إلسكي
أعلنت أوكرانيا، السبت، أنها نفذت ضربة ليلية استهدفت مصفاة إلسكي النفطية في منطقة كراسنودار جنوب روسيا، وأشعلت الضربة حريقاً في المنشأة التي تبلغ طاقتها التصميمية نحو 6.6 مليون طن سنوياً وفقاً لبلومبرغ.
من جانبه قال حاكم كراسنودار إن هجومًا بطائرة دون طيار أصاب منشأتين في المنطقة دون أن يسمّهما، وأفاد المقر العملياتي المحلي بأن ثلاثة أشخاص قتلوا وأُصيب اثنان، بينما لم تتضح بعد حجم الأضرار في المصفاة ولا ما إذا كان إنتاجها توقف.
وجاء هذا الهجوم بعد أقل من أسبوع على استهداف مصفاة موسكو الذي أوقف معالجة النفط فيها وفق مصادر sector تحدثت إلى رويترز.
لماذا تستهدف المصافي وتأثيرها على روسيا
تملك روسيا احتياطيات وإنتاجاً كبيراً من النفط الخام، لكن الدبابات والشاحنات والطائرات لا تعمل بالخام؛ إنها تحتاج إلى بنزين وديزل ووقود طائرات تنتجها المصافي، لذا فإن تعطيل التكرير يضغط على إمدادات الوقود، يرفع كلفة الإصلاح والحماية، وربما يخفّض صادرات المنتجات النفطية.
ويشير الباحث في الاقتصاد السياسي بمركز الدراسات أبو بكر الديب، في تعليق لموقع سكاي نيوز عربية، إلى أن استهداف المصافي أصبح جزءاً من استراتيجية تضغط على «الحلقة التي تربط بين النفط الروسي والاقتصاد والحركة العسكرية»، ويرى أن السؤال ليس ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على تدمير جميع المصافي، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل القطاع إلى نقطة ضعف تستنزف روسيا باستمرار.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تعرضت مصفاة روسية لضربة في المتوسط كل ثلاثة أيام خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ومن أصل 32 مصفاة رئيسية في البلاد لم تكن سوى خمس مصافٍ قد أفلتت من المسيّرات الأوكرانية حتى أواخر أغسطس.
ويوضح الديب أن اشتعال خزان وقود قد ينتج صورة لافتة لكنه لا يعني بالضرورة توقف المصفاة، بينما إصابة وحدات التقطير حيث تبدأ معالجة الخام أو وحدات المعالجة التي تنتج وقوداً بمواصفات محددة قد تعطل الإنتاج لفترة أطول، وهو ما تؤكده الوكالة التي رصدت تركيزاً متزايداً للهجمات على هذه الوحدات.
ويذكر أن إصلاح ضرر محدود في وحدة تقطير قد يستغرق أسبوعاً أو أسبوعين، بينما قد يحتاج إصلاح وحدات المعالجة المعقدة بعد ضرر جسيم من ستة إلى ثمانية أشهر في المتوسط، وتزيد العقوبات الغربية على روسيا من صعوبة الحصول على بعض المعدات البديلة.
وبحسب الوكالة، عالجت المصافي الروسية نحو 3.8 مليون برميل من الخام يومياً في يونيو 2026، بانخفاض يقارب 30 بالمئة عن العام السابق، وتراجع إنتاج البنزين بنحو 20 بالمئة والديزل بنحو 30 بالمئة، ما دفع موسكو إلى تقييد الصادرات واستيراد البنزين؛ وتوقع الوكالة أن يبلغ متوسط معالجة الخام نحو 4 ملايين برميل يومياً خلال ما تبقى من 2026.
ويعتقد الديب أن الدولة ستعطي الأولوية للجيش والخدمات الحيوية إذا شح الوقود، مما يجعل السائقين والشركات والنقل والزراعة يشعرون بالضغط أسرع، لكنه يحذّر من أن استمرار النقص قد يرفع كلفة إمداد الجيش أيضاً لأن العمليات العسكرية تعتمد على شبكة واسعة من المركبات والمصانع والسكك الحديدية وليس على الوقود الموجود عند الجبهة فقط.
وتكشف هذه الإجراءات طبيعة المعضلة النفطية في روسيا: تستطيع موسكو إعادة توزيع الإمدادات وإصلاح بعض المنشآت مع الاستمرار في تصدير النفط الخام، لكن تكرار الهجمات يفرض عليها الدفاع عن مصافٍ منتشرة على مساحة شاسعة بينما تتراكم تكاليف توقف الوحدات وإعادتها إلى الخدمة.
الموقف في أوكرانيا وموازين التكيف
على الضفة الأخرى فقدت أوكرانيا مصفاتها الكبيرة الأخيرة في كريمنشوك بعد تعرضها لضربات روسية منذ 2022، ويشير مركز الدراسات الشرقية البولندي إلى أنها توقفت نهائيا عن العمل في 2025، ولذلك باتت كييف تعتمد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجاتها من البنزين والديزل، وبلغت وارداتها منهما 8.2 مليون طن في 2025.
هذه البنية تجعل نقطة الضعف الأوكرانية مختلفة؛ فروسيا تضرب مستودعات الوقود ومنشآت الطاقة والنقل التي تتيح تخزين الإمدادات وتوزيعها بعد عبورها الحدود، ويشير مركز الدراسات الشرقية إلى أن تدمير منشآت التخزين منع أوكرانيا من تكوين احتياطيات كبيرة، لكن تعدد الموردين وتكيف التجار حافظا على استمرار الإمداد رغم الاضطرابات المؤقتة.
وضرب مثال حديث بأن ضربات روسية أصابت محطتي وقود في كييف ومنشآت للطاقة والموانئ في مناطق أخرى يوم 15 سبتمبر وفقاً لرويترز.
هنا لا تعني ضربة مستودع أو محطة وقود أن أوكرانيا فقدت الكمية نفسها من وارداتها على مستوى البلاد، لكنها قد تجبرها على تغيير مسار الشحنات وتوزيعها بوتيرة أسرع، وترفع كلفة الحفاظ على مخزون قريب من الجبهة، كما أن ارتفاع أسعار الديزل المستورد يضغط على الجيش والسكك الحديدية والزراعة التي تعتمد عليه مباشرة.
وبالنسبة لقدرة التكيف، تملك روسيا الخام وشبكة مصافٍ واسعة لكنها تواجه خسارة في طاقة التكرير حين تتضرر وحدات معقدة يصعب تعويضها بسرعة، وتملك أوكرانيا منافذ توريد متعددة من الخارج لكنها تواجه هجمات على التخزين والتوزيع وتتحمل ثمن الوقود المستورد؛ ومن ثم لا يصح قياس الأثر بعدد الحرائق وحده، فالمعيار في روسيا هو مدة توقف وحدات الإنتاج، أما في أوكرانيا فيتعلق الأمر بمدى قدرتها على إيصال الإمدادات بانتظام إلى المستهلكين وقواتها العسكرية.






