أكد علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، أن الموقف المشترك لدول الخليج إزاء الهجمات الإيرانية لم يبلغ مستوى التطلعات التي يرجوها مواطنو المنطقة، مشدداً على ضرورة إطلاق حوار جاد داخل مجلس التعاون لتحديد المسؤوليات وبناء منظومة أمنية قادرة على حماية المنطقة.
جاء ذلك في مقابلة أجرتها معه قناة “سكاي نيوز عربية” من مقر البعثة الإماراتية في نيويورك، وذلك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتناول النعيمي خلال اللقاء عدة محاور، منها أمن الخليج، وضرورة مصارحة الشعوب بالتطورات، وتحويل اتفاقيات الدفاع إلى إجراءات عملية على الأرض، بالإضافة إلى موقف بلاده من قطاع غزة، والتحولات الإقليمية الراهنة، ورؤية الإمارات لمستقبلها في خضم الأزمات.
موقف خليجي يحتاج إلى مراجعة
أوضح النعيمي أن دول مجلس التعاون لديها اتفاقية للدفاع المشترك، مستذكراً مواقف سابقة تحركت فيها الدول الخليجية لمواجهة تهديدات طالت الكويت والبحرين والسعودية. لكنه أشار إلى أن الرد الجماعي على الهجمات الإيرانية الأخيرة لم يرق إلى المستوى الذي تتطلع إليه الشعوب الخليجية.
وأضاف أن المرحلة الحالية تستلزم مراجعة المواقف والشروع في حوار خليجي “حقيقي وجاد” يحدد مسؤوليات كل دولة، ويؤسس لمنظومة أمنية تحمي دول المجلس. وأكد أن الإمارات ملتزمة بحماية أراضيها، ومدت يدها لدول الخليج للمشاركة في الدفاع عنها، ولم تتردد في تقديم الدعم كلما دعت الحاجة.
ورأى النعيمي أن شعوب الخليج ليست بحاجة إلى من يشرح لها مصدر التهديد بعد أن شاهدت الصواريخ والطائرات المسيرة بأم عينيها. وقال إن الأولوية هي التصدي للهجمات وحماية السكان والمكتسبات، معتبراً أن الاعتداء على دول الخليج “خط أحمر” لا يمكن المساومة عليه أو تبريره عبر خطاب إعلامي.
وأشار إلى أن إيران استهدفت منشآت مدنية تشمل محطات الكهرباء والمياه والمطارات والموانئ، رغم ادعائها أن استهدافها كان موجهاً نحو قواعد أميركية. كما كشف أن طهران أعدت، قبل سنوات من الحرب، بنك أهداف شمل الإمارات وعمان وقطر والسعودية والبحرين والكويت والأردن.
ودعا النعيمي إلى اتخاذ موقف حازم يحول الاتفاقيات والمواثيق إلى أفعال على الصعد الخليجية والعربية والدولية، مشيراً إلى أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على العالم يمثل مخالفة تستوجب رداً واضحاً، وأن بعض المواقف الإقليمية والدولية تشجع، في رأيه، على تكرار مثل تلك الهجمات.
مصارحة الشعوب وتوحيد الموقف
يرى النعيمي أن نقطة البداية تكمن في حوار خليجي يمتد ليشمل الشركاء الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للوصول إلى موقف موحد تجاه ما تعرضت له المنطقة. وأكد أن إيران تقف وراء استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وإنشاء خلايا داخل دول خليجية لضربها.
وحذر من أن تجنب الإعلان عن موقف واضح من هذه الاتهامات قد يبعث رسالة خاطئة إلى طهران، ويشجعها على تكرار الهجمات سواء بصورة مباشرة أو عبر جماعات تابعة لها. وتطرق أيضاً إلى هجمات الحوثيين على السعودية، معتبراً أنها لم تكن لتحدث دون توجيه ومشاركة إيرانية.
وشدد على ضرورة تسمية الأمور بمسمياتها ومصارحة الشعوب، مشيراً إلى أن الجمهور يتابع ما يجري عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، ولا يمكن مخاطبته بالأساليب القديمة. وربط النعيمي بين ثقة الناس وقدرة الدول على التعامل مع المخاطر الخارجية، موضحاً أن تقديم رواية صادقة، حتى عندما تكون الوقائع صعبة، يساعد في توحيد الجبهة الداخلية وحشد التأييد للقرارات التي تحمي الأوطان.
الإمارات في الأمم المتحدة وغزة بين الإغاثة والحل السياسي
في سياق مشاركة الإمارات في اجتماعات الجمعية العامة، قال النعيمي إن وجود قادة العالم في نيويورك يتيح لبلاده عرض تجربتها في بناء الدولة، ومنظومة القيم القائمة على احترام الإنسان وقبوله، وإقامة شراكات مع مختلف الدول والمنظمات والقطاع الخاص. وأشار إلى أن الوفد الإماراتي برئاسة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، يضم 237 شخصاً معظمهم من الشباب، واعتبر ذلك فرصة لتقديم جيل جديد من الإماراتيين إلى العالم.
وفي الملف الفلسطيني، قال النعيمي إن الحلول المؤقتة لا تعالج جذور الأزمات، منتقداً انشغال بعض الأطراف بخطاب “المظلومية” و”المقاومة” على حساب التفكير في مستقبل الشعوب ومعاناتها اليومية، مستشهداً بالأوضاع في غزة. وأشار إلى مشروع “مجلس السلام”، موضحاً أن خطة الحل بدأت بـ21 نقطة ثم تقلصت إلى 20 نقطة. وأكد دعم الإمارات لهذا المسار لأنه يمثل فرصة لتحسين مستقبل الفلسطينيين، مع إقراره بأنه يحتاج إلى وقت ويواجه تحديات.
وقال إن الإمارات بدأت تقديم الدعم لسكان غزة منذ الأسبوع الأول، وتقدر حصتها بنحو 40% من إجمالي المساعدات. وأضاف أن طواقم إماراتية من أطباء وممرضين وفنيين وعاملين في الإغاثة واصلوا العمل داخل القطاع. وأوضح أن مئات الإماراتيين كانوا في غزة عندما تعرضت بلاده للهجمات الإيرانية، وطُرح اقتراح باستدعائهم لكن القيادة الإماراتية قررت استمرار عملهم كي لا يترك سكان القطاع دون دعم. واعتبر أن العمل الإغاثي والمشروع السياسي يقدمان للفلسطينيين ما هو أبعد من بيانات الإدانة والتنديد.
تحولات المنطقة والحاجة إلى حلول جديدة
ويرى النعيمي أن التطورات في سوريا ولبنان والعراق وإيران تفرض إعادة قراءة المشهد الإقليمي، مشيراً إلى أن التعامل مع إيران بعد 28 فبراير يختلف عنه قبل ذلك التاريخ، داعياً إلى فهم التحولات وتجنب ترك فراغ تستفيد منه الجماعات المتطرفة. وأضاف أن ذلك يتطلب شجاعة من القادة السياسيين لتغيير الخطاب واتخاذ قرارات يمكن للشعوب فهمها والتفاعل معها، ودعا إلى ابتكار حلول للأزمات بدلاً من تكرار الأساليب التي جربت لعقود دون جدوى.
وعبّر عن تفاؤله بمستقبل المنطقة، لكنه ربط ذلك بالمبادرة والعمل والتواصل مع جميع الشركاء، مشيراً إلى أن المفاوضات السياسية تتطلب الاستعداد لتقديم تنازلات، وأن انتظار الآخرين لتقديم الحلول ليس خياراً للدول التي تصنع مستقبلها.
وفي حديثه عن التجربة الداخلية، قال النعيمي إن الهجمات غيرت نظرة الإماراتيين والمقيمين إلى دورهم وعلاقتهم بالدولة، مؤكداً أن الأسواق واصلت توفير السلع رغم اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع الأسعار. وأضاف أن بقاء كثير من المقيمين في الإمارات خلال الهجمات يعبر عن ثقتهم بالقيادة، وأن بعض القادة الذين التقاهم أبدوا اهتماماً بفهم كيفية بناء النموذج الإماراتي وقدرته على التعامل مع الأزمة.
واختتم النعيمي بالتأكيد على أن الإمارات تؤمن بالحوار والشراكات، لكنها تتمسك بسيادة قرارها الوطني وحماية مصالحها، مشيراً إلى أن القيادة واصلت العمل على خطط لما بعد 30 عاماً حتى في ظل الهجمات، مستشهداً بملف الذكاء الاصطناعي كدليل على الاستعداد المبكر للمستقبل. وشدد على أن الدولة تقوم على قبول الاختلاف واحترام الناس بغض النظر عن الدين أو الجنسية أو اللون، وأن تفاؤله يستند إلى قدرة الإمارات على بناء الثقة مع المختلفين وإقامة شراكات لصنع مستقبل أفضل.






