أحجار الركوب العثمانية: شواهد منسية على علاقة إسطنبول التاريخية بالخيول

24/08/2026 10:32

بين معالم إسطنبول التاريخية، لا تزال أحجار صغيرة تحمل آثار العهد العثماني، حين كان الحصان جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. كانت تُعرف باسم “أحجار الركوب”، واستُخدمت لتسهيل امتطاء الخيل والعربات والنزول منها، قبل أن تفقد وظيفتها مع تغير أنماط التنقل في المدينة.

أحجار الركوب: عنصر معماري وظيفي

كانت هذه الأحجار توضع في مواقع مختلفة من إسطنبول، خاصة على الطرق التي كان يستخدمها السلاطين وأفراد الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة، كما وُجدت أمام منازل أعيان المدينة، باعتبارها حلاً عملياً يعكس طبيعة الحياة الحضرية في العهد العثماني.

يقول الباحث في قسم تاريخ الفن بكلية الآداب بجامعة إسطنبول مدنيت قوبيلاي أرباجي للأناضول إن “أحجار الركوب” كانت عنصراً معمارياً وظيفياً يتيح للناس امتطاء الحيوانات المخصصة للركوب أو العربات التي تجرها الخيول والنزول منها بسهولة. ويوضح أن هذه الأحجار كانت تُبنى عادة على ارتفاع مماثل لمستوى الركاب في سروج الخيل، مما كان يسهل عملية الصعود إلى ظهر الحصان والنزول عنه.

رمزية الخيل في المجتمع العثماني

ويشير أرباجي إلى أن انتشار “أحجار الركوب” ارتبط بمكانة الخيول في المجتمع العثماني، إلى جانب الحاجة إلى حلول عملية للتنقل داخل المدن. ويقول إن الخيول كانت رمزاً للسلطة والمكانة والهيبة بالنسبة للسلاطين وأفراد الأسرة الحاكمة وكبار رجال الدولة، ولذلك أُقيمت هذه الأحجار بشكل خاص على الطرق التي كانوا يسلكونها.

ويضيف أرباجي أن من أبرز النماذج الموجودة في إسطنبول حالياً الأحجار الواقعة أمام كنيسة آيا إيريني، وباب السلام (في قصر طوب قابي)، ومسجد أيوب سلطان، و”طريق الجلوس على العرش”، ومسجد الفاتح، وباب الأضرحة في مسجد السليمانية، ومدخل مسجد بيرتيفنيال والدة سلطان، وضريح السلطان عبد الحميد الأول، والمقصورة السلطانية في مسجد الأمير محمد، وأمام مسجد قره داود باشا.

ويوضح أن بعض هذه الأحجار صُممت على شكل درجات، مثل الحجر الموجود في طريق الجلوس على العرش، فيما صُنعت نماذج أخرى من كتلة حجرية واحدة أو من قطع أعمدة مرتفعة عن سطح الأرض. ويؤكد أرباجي أن هذه العناصر لم تكن ذات شكل موحد، إذ اختلف تصميمها بحسب موقعها والغرض منها، مشيراً إلى أن النماذج الموجودة على الطرق المرتبطة بكبار رجال الدولة كانت أكثر تنظيماً.

ويلفت إلى أن “أحجار الركوب” لم تكن مقتصرة على إسطنبول، إذ توجد نماذج منها في مدن الأناضول مثل إسكي شهير وإزمير، وكانت غالباً توجد أمام منازل أعيان المناطق، بما يعكس مكانة الخيل والثروة الاجتماعية لأصحابها.

تراث معماري يندثر مع الزمن

ورغم تصنيف “أحجار الركوب” ضمن العناصر المعمارية الصغيرة، يرى أرباجي أن وظيفتها العملية كانت الجانب الأبرز فيها، إذ استخدمتها النساء من أفراد الأسرة الحاكمة والسلطانات، إضافة إلى الباشوات والصدر الأعظم والسلاطين، لامتطاء الخيول أو ركوب العربات.

ويوضح أن هذه الأحجار كانت جزءاً من نهج في العمارة الحضرية العثمانية يهدف إلى تسهيل الحياة اليومية، مشيراً إلى أن الحجر الموجود في “طريق الجلوس على العرش” يقع على المسار الذي كان السلاطين يستخدمونه خلال مراسم توليهم العرش. لكن هذه العناصر فقدت دورها تدريجياً مع تحديث إسطنبول وانتشار وسائل النقل الحديثة مثل القطارات والترام، إضافة إلى تعرض بعضها للتخريب والاختفاء، وفق أرباجي.

ويقول إن عدداً قليلاً جداً من “أحجار الركوب” وصل إلى يومنا هذا، مؤكداً أنها تمثل انعكاساً للطابع الوظيفي للعمارة العثمانية وثراء تفاصيلها. ويضيف أرباجي أن بعض هذه الأحجار بات من الصعب ملاحظتها داخل المدينة، إذ يسهل رؤية النماذج الموجودة أمام مسجد أيوب سلطان ومسجد قره داود باشا بسبب وضوح أشكالها، بينما تندمج أخرى، مثل الموجودة عند باب السلام وباب الأضرحة في مسجد الفاتح، مع النسيج المعماري المحيط بها.

وبين ازدحام إسطنبول الحديثة، تواصل هذه الأحجار الصغيرة الاحتفاظ بجزء من ذاكرة المدينة، شاهدة على حلول معمارية ابتكرها العثمانيون لتلبية احتياجات الحياة اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *