أردوغان يدعو إلى إلغاء حق النقض وإصلاح شامل لمجلس الأمن

22/09/2026 07:14

دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إلغاء سلطة النقض (الفيتو) الممنوحة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، مع إدخال إصلاحات جذرية على آليات صنع القرار العالمي. وجاءت هذه الدعوة في مقال نشره أردوغان عبر وكالة “بلومبرغ”، حمل عنوان “يجب على الأمم المتحدة إلغاء سلطة النقض في مجلس الأمن”.

وأكد أردوغان في مقاله أن بناء ما وصفه بـ”عالم أكثر عدلاً” يستلزم تضافر خبرات وإمكانات وإرادات مختلف المناطق الجغرافية على أرضية مشتركة، مشدداً على أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق من خلال تكتلات منعزلة لا حوار بينها. ورأى أن الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، ومنها الأوبئة وأزمات الطاقة وانقطاع سلاسل التوريد والصراعات الإقليمية، أثبتت أن ترك حل مشكلات العالم لإرادة نخبة محدودة من العواصم لم يعد مقبولاً في ضوء معطيات اليوم.

إصلاح آليات القرار العالمي

وشدد الرئيس التركي على أن مواءمة آليات صنع القرار الدولي مع المتغيرات الراهنة أصبح أمراً لا يجوز تأجيله، مشيراً إلى أن مجلس الأمن ما زال أسيراً لمعادلات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ودعا إلى اعتماد مفهوم تمثيل أكثر فعالية وعدالة وقابلية للمساءلة، عبر توسيع قاعدة التمثيل وتوزيع مسؤوليات القيادة بشكل عادل.

وقال أردوغان: “يتعين علينا إشراك خبرات وقدرات وإرادة مناطق جغرافية مختلفة في حل القضايا العالمية والإقليمية، وإن شعارنا \”العالم أكبر من خمسة\” هو دعوة إلى فهم أوسع للمسؤولية”. وأضاف أن تحويل الحاجة إلى الإصلاح إلى خارطة طريق ملموسة أصبح ضرورة ملحة، على أن يكون إلغاء امتياز حق النقض في صميم هذه الخارطة.

ورأى أن مجرد إضافة أعضاء جدد يتمتعون بامتيازات إلى مجلس الأمن لن يعالج مشكلة تركز سلطة القرار في أيدٍ قليلة، بل سيسهم في توسيع نطاق البنية القائمة على الامتيازات. وتابع: “يجب أن يكون إلغاء امتياز سلطة النقض نقطة البداية والهدف الاستراتيجي الأساسي لأي إصلاح ذي معنى. ولا يمكن أن يعني الإصلاح منح الامتياز ذاته لدول أخرى أيضاً”. ودعا إلى تشكيل ائتلاف واسع داخل الجمعية العامة حول مبدأ عدم امتلاك أي دولة سلطة دائمة تحول دون إرادة غالبية المجتمع الدولي.

تعزيز المساءلة

وشدد أردوغان على ضرورة إعادة النظر في التوازن القائم بين مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، مقترحاً تعزيز صلاحيات الجمعية العامة وزيادة قدرة مجلس الأمن على التمثيل وخضوعه للمساءلة أمامها. وأوضح أن ذلك يتحقق من خلال إقامة بنية لا تضم عضوية دائمة، على أن يتم انتخاب أعضاء مجلس الأمن من قبل الجمعية العامة لفترات محددة وبالتناوب، وأن تعيد الدول الراغبة في تولي العضوية اكتساب ثقة غالبية الأعضاء عبر الانتخابات.

وأضاف: “لا يمكننا بناء النظام الدولي للمستقبل من خلال الحفاظ على تراتبيات الماضي”. وأشار إلى أن التطورات التي شهدها ربع القرن الأخير أثبتت أن موازين القوى والأنظمة الدولية لا تدوم إلى الأبد، وأن النظام القائم الذي وعد البشرية بالسلام والاستقرار والرخاء أثبت عدم كفايته في منع الحروب الجديدة والحد من أوجه عدم المساواة والاستجابة لموازين القوى المتغيرة. ولاحظ أردوغان ظهور مراكز قوى جديدة في مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والدبلوماسية، دون أن تتمكن المؤسسات الدولية من التكيف مع هذا التحول بالسرعة المطلوبة.

الفاعلون الإقليميون

وأوضح الرئيس التركي أن الحروب وأزمة المناخ والهجرة غير النظامية والهشاشة الاقتصادية أظهرت مجدداً أهمية امتلاك الدول لمؤسسات قوية واقتصادات صامدة وقدرات دفاعية رادعة. كما أشار إلى تزايد أهمية أمن واستدامة ممرات التجارة والخدمات اللوجستية والنقل والطاقة، وإلى تنامي الثقل الاقتصادي لآسيا ومطالبة إفريقيا بتمثيل أقوى يتناسب مع إمكاناتها، فيما باتت الدول النامية تعبر عن أولوياتها بصوت أعلى.

وفي هذا السياق، قال أردوغان: “تنامي نفوذ بعض الفاعلين الإقليميين يفرض عليهم الاضطلاع بمسؤوليات أكبر في مناطقهم الجغرافية. وليس من الممكن حل قضايا كل منطقة من خلال أساليب تحدد من الخارج”. وأكد أن المقاربات التي تستند إلى إرادة الدول المعنية والظروف المحلية والمصالح المشتركة تحقق نتائج أكثر استدامة واستقراراً، مشيراً إلى أن الدول التي تمتلك قدرات دبلوماسية واقتصادية وتواصلاً مع مختلف الأطراف ينبغي أن تضطلع بأدوار أكثر فاعلية في إرساء السلام والاستقرار.

واعترف أردوغان بأن التوقعات بشأن إسهام العولمة في تعميم الرخاء لم تتحقق بالكامل، إذ تعمقت أوجه عدم المساواة في توزيع الدخل، وتحولت أوجه الاعتماد المتبادل في مجالي التكنولوجيا والاقتصاد إلى مجالات جديدة للتنافس. وشدد على ضرورة تقاسم المسؤوليات بشكل عادل لتحقيق العدالة العالمية، وضمان حق البلدان النامية في التنمية وتأمين وصولها إلى التمويل اللازم.

إرادة دولية

وأكد أردوغان أن إحداث هذا التغيير يتطلب إظهار إرادة دولية واسعة، مشدداً على أن تركيا ستواصل توظيف علاقاتها العالمية القوية وخبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف لخدمة مساعي الإصلاح. وقال إن تركيا تدعم الجهود الرامية إلى إلغاء امتياز سلطة النقض، ومنح الأعضاء المنتخبين ثقلاً أكبر في عمليات صنع القرار، وتعزيز دور الجمعية العامة.

وأضاف: “إن اجتماع دول من مناطق مختلفة على هذه الأرضية المشتركة سيعزز شرعية النظام الدولي وقدرته على التمثيل”. وبين أن السلام الدائم في عالم اليوم لا يمكن إرساؤه عبر تكاثر التكتلات المنفصلة غير المتحاورة، مشدداً على ضرورة جمع خبرات وقدرات وإرادة المناطق الجغرافية المختلفة على أرضية مشتركة من أجل “عالم أكثر عدلاً”.

واختتم أردوغان بالتأكيد على أن تركيا ستواصل الاضطلاع بمسؤولياتها في مساعي الإصلاح هذه، استناداً إلى إرثها العريق في إدارة شؤون الدولة، وقدراتها الدبلوماسية، وعلاقاتها الراسخة مع مختلف المناطق الجغرافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *