في سياق تحليل الفتوحات الإسلامية، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي الأميركي خبير العلاقات الدولية أن هذه الفتوحات لا يمكن فهمها بوصفها حروباً دينية أو صداماً بين شعوب وطوائف، بل ينبغي النظر إليها من زاوية الصراع بين إمبراطوريات متنافسة (عربية/فارسية/رومانية). فالجيوش العربية لم تكن تحارب شعوباً بسيطة أو حكاماً محليين أو أتباع أديان، بل كانت تواجه كيانات عسكرية تابعة لإمبراطوريات.
عمرو بن العاص وصراع الإمبراطوريات في مصر
ويضرب الكاتب المثل بفتح عمرو بن العاص لمصر، موضحاً أنه عندما توجه بجيوشه نحو مصر، لم يكن يحارب المصريين العاديين أو أتباع المسيحية فيها، بل كان يواجه جيوش الإمبراطورية الرومانية المتمركزة في مصر. لذلك، لم يتعامل المصريون والأقباط مع جيوش عمرو بن العاص بوصفها “غزاة جدداً”، بل نظروا إليها كقوة جديدة يمكن أن تكون النسخة الثالثة من القوة القديمة التابعة للإمبراطورية الرومانية.
منطق الإمبراطوريات: التوازن وحدود التوسع
ويستشهد الكاتب بكتابه “الإمبراطوريات: منطق القوة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأميركية”، حيث يقول في حديثه عن الفرق الجيوسياسي بين الإمبراطورية والدولة: “ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حياد إزاء القوى التي تنتمي إلى مجال نفوذها. وتأسيساً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبرة بقوة على عدم الاعتراف بحياد هذه القوى والتدخل في شؤونها بحكم اثم تدخلها. هذا الموقف الحاد موجود فقط في إطار نظام عالمي يختلف عن نموذج الدول ذات السيادة”.
ويضيف الكاتب أن العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا المنطق حاسم جداً لفهم الفتوحات الإسلامية. التوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى ليس استثناءً بل شرط بناء لعالم يُعاد تشكيله كمجال مفتوح للصراع على الهيمنة والهوية، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية.
ويوضح أن التوسع الجغرافي في منطق الإمبراطورية لا يمكن النظر إليه بمنطق أخلاقي بسيط. فالتوسع في العصور القديمة – أحياناً – كان ضرورة بيولوجية لحماية الأطراف، أو منع صعود القوى المنافسة التي تتعامل مع بداية الحاد بالتآمر والتآكل.
الفتوحات الإسلامية: مشروع حضاري داخل عالم الإمبراطوريات
ويرى الكاتب أنه عندما يطرح سؤال ساذج: لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟ فإنه في الحقيقة سؤال حديث من جنس أسئلة المجتمعات الحديثة ليسقط موازين الحاضر في عالم لم يعرف أصلاً فكرة الحدود القبلية الثابتة. فالجيوش الإسلامية عندما تحركت نحو الشام كانت تواجه: حاميات وجيوشاً لنظام ضريبي لإدارة إمبراطورية قائمة، أو أن الحكام المحليين نظروا للجيوش الإسلامية كغزاة غرباء، بل كقوة جديدة قد تحررهم من القوة السابقة. ويعني ذلك أن الجيوش العربية لم تكن تواجه مقاومة شعبية كما نعرفها في المجتمعات الحديثة.
ويؤكد الكاتب أن الفتوحات الإسلامية كانت مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى. وهي تختلف عن بنية الإمبراطوريات (الرومانية/الفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية. الفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة وسبل اهتمام، حيث دُعيت له شعوب لا عروبية، العرب وغير العرب، ليصبحوا -نظرياً- جزءاً من الأمة نفسها. الأهداف الرئيسية كانت نشر العقيدة الدينية الجديدة، ثم تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية مجرد نتائج تحققت بالتبعية.
وكانت الإمبراطورية الإسلامية قضاء حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منتجاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزوجاً ثقافياً فريداً تتراكماً حضارياً وشبكات معرفية واسعة، شاركت فيها شعوب ذات أصول ثقافية وعروبية مختلفة.
ويخلص الكاتب إلى أن الفتوحات الإسلامية لا يمكن فهمها بأدوات وعقول المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة دولية حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي محكوم بمنطق الإمبراطورية الذي كان التوسع والقوة جزءاً من طبيعته وتكوينه.





