مطالب معيشية وتعليمية تواجه خلافات مالية
في فرنسا قدّر الاتحاد العام للعمل سي جي تي أن نحو ثمانمائة ألف شخص شاركوا في احتجاجات السبت بعد تقاطع المطالب الطلابية والمعيشية مع الاعتراض على مشروع موازنة 2027.
وأشار بيان لحزب فرنسا الأبية الصادر في 15 أكتوبر إلى أن الدعوة بدأت من مواطنين غاضبين من أسعار الوقود ثم انضمت إليها النقابات والجمعيات الطلابية.
ولفت الاتحاد إلى أن نقص العاملين واكتظاظ الفصول ومشكلات المؤسسات التعليمية كانت في صلب الاحتجاجات الطلابية وطالب بعد المظاهرات بزيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية والاستجابة لمطالب الشباب ورفض إجراءات مالية يرى أنها تزيد الضغط على الخدمات العامة.
من جانب الحكومة يتضمن مشروع موازنة العام المقبل إجراءات لضبط المالية بقيمة 54 مليار يورو بهدف خفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وتقول وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية إنها تحافظ على الإنفاق ذي الأولوية رغم ارتفاع أعباء الدين بينما يطالب اتحاد العمل بمساهمة أكبر من أصحاب الثروات والشركات.
بعد أحداث نهب وتخريب أوضحت بلدية باريس أن هذه الأفعال لا تمثل الغالبية الساحقة من المتظاهرين السلميين وأعلن رئيس البلدية إيمانويل غريغوار أن العنف يصرف الانتباه عن مطالب الشباب وكشف عن تعبئة خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.
تفاصيل الاحتجاجات في كل دولة
في البرتغال كشفت الأرقام عن فجوة بين العرض الحكومي والمطلب النقابي فقد أعلنت الحكومة في 8 أكتوبر رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو للعام المقبل بينما يطالب الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو وبزيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة ولا يقل عن 150 يورو.
وقد ترجمت هذه المطالب إلى مظاهرات في لشبونة وبورتو وكويمبرا شارك فيها آلاف العمال وسأل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا كيف يمكن العيش براتب ألف يورو مع إيجار يتراوح بين 800 و900 يورو بالإضافة إلى الوقود والسلع الأساسية.
وبحسب مكتب الإحصاء الأوروبي يوروستات ارتفعت أسعار شراء المساكن في البرتغال خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 16.5 بالمئة على أساس سنوي مقابل متوسط أوروبي قدره 4.7 بالمئة.
وفي بلجيكا حذر الاتحاد العام للعمل إف جي تي بي من تحميل العاملين والمتقاعدين أعباء إضافية لسداد عجز الموازنة وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر مظاهرة شارك فيها نحو ثلاثين ألف شخص من عمال وموظفين وتلاميذ وطلاب بدعوة من تحالف النقابات العمالية وأحزاب سياسية.
وأوضح الاتحاد في بيان 11 سبتمبر اعتراضاته على المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة وتقليص الخدمات الصحية وتغيير تنظيم وقت العمل مقترحاً مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بالخطوط الحمراء.
أما في إيطاليا فقد جمعت دعوة تحالف الطريق الرئيسي الذي يضم نقابة سي جي آي إل وأكثر من مئة جمعية إلى مسيرة روما في 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حرب وضمت القائمة زيادة الأجور ومواجهة عدم استقرار العمل والدفاع عن الخدمات العامة ونظام ضريبي تصاعدي.
وشهدت عدة مدن إيطالية في السبت مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع الرعاية الصحية العامة وانتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة معتبراً ذلك تجاوزاً للحدود رغم تأكيده حق التظاهر.
وفي ألبانيا شهدت العاصمة تيرانا السبت يوماً خامساً من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما الذي تعهد الاستماع لمطالبهم مع تحذيره من تعريض البلاد للخطر.
ويرتبط جانب من تصعيد الموقف في ألبانيا بالخلاف حول مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية وما يحيط بها من نزاعات تتعلق بالملكية والبيئة والشفافية وقد نفى راما في بيان 15 يونيو أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع موضحاً أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة.
وأقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية أراض معروضة على القضاء مع الدفاع عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة ثم أعلن في 3 أكتوبر إطلاق منصة لنشر وثائق الملف بدفع من احتجاج بدأ مطلع يونيو.
ومع المواجهات الأخيرة أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف وفي المقابل فتح تحقيق بعد ظهور فيديو لشاب مصاب في الساق أثناء اقتياده بالقرب من البرلمان حيث أوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل وبدأ تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.
رؤى الخبراء حول الأسباب والحلول
الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر أوضح أن أزمات متراكمة في السكن والتعليم والبنية التحتية وجودة الرعاية الصحية إلى جانب اختلال في أولويات الإنفاق الحكومي تفسر انتقال الاحتجاجات من مطالب فئوية إلى تحركات أوسع وأن استجابة الحكومات عامل حاسم في تحديد مسارها.
وأضاف شاكر أن صعود الإنفاق العسكري والدفاعي والأمني يقابله تضاؤل القدرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية ودعم تكاليف المعيشة ورأى أن خروج فئة للاعتراض على قضية محددة قد يحرك فئات أخرى مستشهداً بحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا وأن تعدد الملفات المطلبية يتيح تحولها إلى حركة تظاهر عام كما حدث مع اتساع المشاركة هناك.
ويعتبر شاكر السكن معضلة حقيقية في بعض الدول ويضيف أن تكاليف الطاقة قد تكون محفزا إضافيا للتحرك لامتداد أثرها إلى أسعار سلع وخدمات متعددة ويصف المشهد الفرنسي بأنه امتداد لموجات غضب سابقة مثل حركة السترات الصفراء التي انطلقت في نوفمبر 2018 رفضاً لزيادة الضرائب على الوقود كجزء من خطة التحول البيئي.
أما أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري فتربط الاحتجاجات بواجبات الدول في حماية الحقوق الاقتصادية والسياسية وتؤكد أن معالجة الاحتجاجات تبدأ بحماية هذه الحقوق وضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم للمواطنين.
وتشير إلى أن تفاوت الحصول على الخدمات خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل المنخفض والخلفيات المهاجرة يعكس تقصيراً في الوفاء بهذه الواجبات وتضع حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح للمواطنين الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها.
وترى الحموري أن اتساع التحرك الشبابي في أكثر من دولة أوروبية يعود إلى بنية اقتصادية تهمش الطبقات العاملة وتشدّد على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية مثل التفاوض مع ممثلي المتظاهرين والسعي إلى حلول وتحذر من أن قمع التعبير عن المطالب يضيف مساساً بالحقوق السياسية إلى التقصير الاقتصادي وتشير إلى أن عنف الشرطة يتجه عادة بصورة أكبر نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة.
وتؤكد على أهمية الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين بالتوازي مع معالجة المطالب الاقتصادية وتلفت إلى أن منصات التواصل تتيح تنسيقاً أسرع للمجموعات الشبابية حتى دون وجود أطر نقابية تقود تحركاتها لكن طغيان مشاهد الصدام والغاز والأدخنة دون سياقات كافية قد يشكل صوراً مجتزأة عن الواقع مما قد يدفع بعض الناس إلى الابتعاد بينما يحفز آخرين أكثر استعداداً للصدام أو التعبير عن الغضب.
وفي تحديد المسار المقبل يمنح شاكر استجابة الحكومات أهمية خاصة من سلوك الشرطة إلى لغة المسؤولين ومدى الاستعداد للحوار لكنه يحذر من أن غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري يعقد مهمة التفاوض ويؤكد أن تخفيف التوتر يتطلب حماية الاحتجاج السلمي واستجابات عملية للمطالب ومراجعة ما يعتبره اختلالاً في أولويات الإنفاق.
وأخيراً أعلنت النقابات عن مواعيد جديدة للتعبئة ففي فرنسا دعا سي جي تي إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل وفي البرتغال حدد الاتحاد العام للعمال تجمعاً أمام البرلمان في 24 من الشهر نفسه بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الموازنة وفي بلجيكا أبقى الاتحاد العام للعمل احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطاً بخيارات الحكومة واستجابتها.






