أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجمعة، أن بلاده تنظر إلى الاستثمار في مجالات التكنولوجيا المتقدمة باعتباره ضرورة حتمية وليس مجرد خيار، مشدداً على ضرورة التعجيل بالتحول نحو أنظمة الإنتاج القائمة على القيمة المضافة العالية.
جاءت تصريحات أردوغان خلال كلمته في فعاليات أسبوع الابتكار الثالث عشر، الذي تستضيفه مدينة إسطنبول في مركز المؤتمرات بها، وتنظمه هيئة المصدرين الأتراك تحت رعاية وزارة التجارة، وبمشاركة إعلامية من وكالة الأناضول.
بنية تحتية ضخمة للبحث والتطوير
أوضح أردوغان أن تركيا تمكنت، من خلال مبادرتها الوطنية في مجال التكنولوجيا، من بناء بنية تحتية هائلة في قطاعي البحث والتطوير والابتكار، واصفاً إياها بأنها لا تتوفر إلا لدى عدد محدود من الدول حول العالم.
وكشف الرئيس التركي عن خطط طموحة لبلاده تهدف إلى إنشاء 100 ألف مشروع تكنولوجي بحلول عام 2030، على أن تبلغ القيمة الإجمالية لهذه المشاريع 100 مليار دولار أمريكي.
وأشار أردوغان إلى أن الحكومة التركية تعمل على تحويل مباني الركاب في مطار أتاتورك الدولي السابق إلى ما وصفه بـ”أكبر مركز عالمي للتكنولوجيا وريادة الأعمال”، تحت الاسم التجاري “ترمينال إسطنبول”.
صادرات قياسية في الدفاع والطيران
لفت أردوغان إلى أن تركيا تمكنت خلال العام الماضي من تصدير منتجات في مجالي الصناعات الدفاعية والطيران بقيمة تجاوزت 10 مليارات دولار، موجهةً تلك المنتجات إلى 180 دولة ومنطقة مختلفة حول العالم.
وأضاف أن قطاعي الدفاع والطيران التركيين شهدا نقلة نوعية، حيث ارتفعت نسبة المكون المحلي فيهما من 20 بالمئة فقط في عام 2002 إلى مستويات أعلى بكثير حالياً، بينما كانت الصادرات في ذلك العام لا تتجاوز 248 مليون دولار.
وتابع أردوغان أن تركيا كانت في السابق مضطرة لاستيراد معظم المعدات الأساسية لأنظمتها الأمنية، وكان الموردون الأجانب يتدخلون أحياناً في طريقة استخدام تلك المعدات وتحديد الجهات التي يمكن استخدامها ضدها، مشيراً إلى أن البلاد عانت كثيراً من هذا الاعتماد الخارجي منذ عملية السلام في قبرص وحتى الحرب على الإرهاب.
تحذيرات من “أوليغارشية التكنولوجيا”
في سياق متصل، حذر الرئيس التركي من ما أسماه “أوليغارشية التكنولوجيا”، قائلاً إن هذه القوى لا تستهدف دولاً معينة فحسب، بل تهدد العالم بأسره. وأكد أن تحديد مدى جاهزية قطاع الأعمال للمرحلة الجديدة يكتسب أهمية بالغة في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها العالم، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية وأنظمة البيانات والتقنيات ذاتية التشغيل.
وأعرب أردوغان عن قلقه من أن العامل البشري لا يحظى بالاهتمام الكافي في خضم التقدم التكنولوجي السريع، مشيراً إلى تزايد أعداد الأشخاص الذين يتساءلون عن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقال: “إن علامات الاستفهام تتزايد، والثقة تحل محلها المخاوف، ليس في الأوساط الفكرية فحسب، بل أيضاً في عالم الأعمال والأوساط الأكاديمية والمجتمع ككل”.
واستشهد أردوغان بتاريخ البشرية، مشيراً إلى أن هناك دوماً من يقاومون التغيير ويخافون منه ويقلقون من فقدان إمكاناتهم بسببه، لكن في كل مرة كان يتم التوصل إلى حل وسط بين الإنسان والتكنولوجيا، وتصبح التكنولوجيا التي كانت معارضة جزءاً لا غنى عنه من حياة الإنسان.
وأضاف أن مخاوف مماثلة لتلك التاريخية تُثار اليوم حول العديد من الابتكارات، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، معترفاً بأن جزءاً مهماً من هذه المخاوف مبرر تماماً وفي محله.
وكشف أردوغان عن بيان من 22 بنداً نشرته في أبريل/نيسان الماضي إحدى الشركات المتخصصة في تحليل البيانات والعاملة في مجالات الدفاع والاستخبارات والأمن، معتبراً أن هذا البيان يكشف الخطر الذي ينتظر البشرية. وقال: “لقد فهمنا من خلاله نظرة هذه العقلية إلى الإنسان والحياة والمجتمع؛ فهي تهيمن على ميزانيات هائلة تبلغ مئات المليارات من الدولارات، وتنظر إلى العالم باعتباره رقعة أحجية يمكنها تحريك قطعها كيفما تشاء”.
وأوضح الرئيس التركي أن البشر غير قادرين على قياس أبعاد هذا التهديد الجديد بشكل كامل، والذي يسميه البعض “التكنوقراطية” وآخرون “الفاشية التكنولوجية”، مشيراً إلى أنهم لا يستطيعون أيضاً التنبؤ بالمشكلات التي ستسببها ظاهرة “المصانع المظلمة” التي يكاد ينعدم فيها العنصر البشري، خاصة في مجال التوظيف.
إنجازات وطموحات مستقبلية
أشار أردوغان إلى أن تركيا رفعت إنفاقها على البحث والتطوير من 1.2 مليار دولار في عام 2002 إلى 20 مليار دولار حالياً، كما ارتفع عدد مجمعات التكنولوجيا من عدد محدود قبل 24 عاماً إلى 115 مجمعاً.
وشدد على أن بلاده تستهدف تأسيس 100 ألف شركة تكنولوجية ناشئة بحلول عام 2030 بقيمة إجمالية تبلغ 100 مليار دولار، مشيراً إلى أن قطاع الصناعات الدفاعية التركي يضم اليوم أكثر من 4500 شركة وينفذ أكثر من 1400 مشروع ويوفر ما يقارب 100 ألف وظيفة مباشرة، فيما تتجاوز القيمة الإجمالية لمشاريعه 100 مليار دولار.
وأضاف أن صادرات القطاع ارتفعت بنسبة 15.6 بالمئة خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى 6.9 مليارات دولار.
واختتم أردوغان كلمته بالتأكيد على أهمية مناقشة هذه المسائل من الآن وتناولها من جوانب مختلفة، موجهاً الشكر للمشاركين الذين يسهمون بآرائهم وأفكارهم وخبراتهم ومقترحاتهم في النقاشات المعمقة حول هذا الموضوع المهم خلال أسبوع الابتكار التركي.






